والحق سبحانه جعل نِعَمه عامة للمؤمن وللكافر ؛ لأنه سبحانه جعل لها أسباباً ، مَنْ أحسَنَ هذه الأسباب أعطتْه ، حتى لو كان كافراً .
ثم نلاحظ في قوله تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] أنها وردتْ في القرآن مرتين ، ولكل منهما تذييل مختلف ، فمرَّة يقول تعالى : { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [ إبراهيم : 34 ] ، ومرة يقول : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ النحل : 18 ]
وفيه إشارة إلى أن الله تعالى لو عامل المنعَم عليهم من الخَلْق بما يقتضيه إيمانهم ، وما يقتضيه كفرهم ، لأعطى المؤمن وسلَبَ الكافر ، لكنه سبحانه غفور رحيم بخَلْقه ، فبهاتين الصفتين يُنعِم سبحانه على الجميع ، وما ترفلون فيه من نِعَم الله عليكم أثر من آثار الغفران والرحمة ، فغفر لكم معايبكم أولاً ، والغفر : أنْ تستر الشيء القبيح عَمَّن هو دونك .
ثم الرحمة ، وهي أنْ تمتدَّ يدك بالإحسان إلى مَنْ دونك ، وسبق أنْ أوضحنا أن المغفرةَ تسبق الرحمةَ ، وهذه هي القاعدة العامة ، لكن قد تسبق الرحمةُ المغفرةَ ؛ ذلك لأن السَّلب للشيء المذموم ينبغي أن يسبق النعمة ، أو : أنْ دَفْع الضرر مُقدَّم على جَلْب المنفعة .
وقد مثَّلْنا لذلك باللصِّ تجده في دارك ، فتستر عليه أولاً حين لا تسلمه للبوليس ، ثم يرقّ له قلبك ، فتمتد يدُك إليه بالإحسان ، وهنا تسبق المغفرة الرحمةَ ، وقد تتصرف معه بطريقة أخرى ، بحيث تقدَّم فيها الرحمةَ على المغفرة ، والمغفرة لا تكون إلا من الأعلى للأدنى ، فتستر على القبيح قُبْحه ، وأنت أعلى منه ، فلا يقال مثلاً للخادم : إنه ستر على سيده .
تفسير الشعراوي — صفحة 11957
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٥٧