كذلك يلفتنا الحق سبحانه إلى نعمه حين يسلبها من الآخرين ، فحين ترى السقيم تذكَّر نعمة العافية ، وحين ترى الأعمى تذكَّر نعمة البصر . . الخ وساعتها ينبغي عليك أنْ تشكر المنعم الذي عافاك مما ابتلى به غيرك ، إذن : فهذه الشواذ جعلها الله وسائل للإيضاح وتذكيراً للخلق بنِعَم الخالق .
والنعمة وردتْ هنا مفردة ، وكذلك في قوله تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم : 34 ] وقد وقف أعداء الإسلام من المستشرقين أمام هذه الآية يعترضون على أن النعمة فيها مفردة ، يقولون : فكيف تُعَدُّ ؟ وهذا الاعتراض منهم ناشئ عن عدم فَهْم لمعاني وأساليب القرآن .
ونقول : الذي تروْنه نعمة واحدة ، لو تأملتُم فيها لوجدتم بداخلها نِعَماً متعددة تفوق العَدَّ ؛ لذلك استخدم القرآن هنا ( إنْ ) الدالة على الشك ؛ لأن نِعَم الله ليست مظنَّة العَدِّ والإحصاء كرمال الصحراء ، هل تعرَّض أحد لعدِّها ؟ لأنك لا تقبل على عَدِّ شيء إلا إذا كان مظنَّةَ العَدِّ ، وإحصاء المعدود .
لذلك ، فالحق سبحانه يوضح لنا : إنْ حاولتم إحصاء نِعَم الله - وهذا لن يحدث - فلن تستطيعوا عدَّها ، مع أن الإحصاء أصبح عِلْماً مستقلاً ، له جامعات وكليات تبحث فيه وتدرسه .
ولك أنْ تأخذ نعمة واحدة من نِعَم الله عليك ، ثم تتأمل فيها وفي عناصرها ومُكوِّناتها وفوائدها وصفاتها ، وسوف تجد في طيَّات النعمة الواحدة نِعَماً شتَّى ، فالتفاحة مثلاً في ظاهرها نعمة واحدة ، لكن في ألوانها ومذاقها وعناصر مكوناتها ورائحتها واختلاف وتنوُّع هذا كله نِعَم كثيرة .
تفسير الشعراوي — صفحة 11956
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٥٦