فكان من منطق العقل ساعةَ يأتينا رسول من عند الله أنْ نستشرف له ، ونُقبل عليه ، ونسأله عن اللغز الذي لا نعرفه من أمور الحياة والكون ، كان علينا أن نستمع له ، وأن ننصاع لأوامره ؛ لأنه ما جاء إلا ليُخرجنا من مأزق فكري ، ومن مأزق عقلي لا يستطيع أحد مِنَّا أنْ يُحلِّله ، كان على القوم أن يتلهفوا على هذا الرسول ، لا أن يعادوه ويعاندوه ، لما لهم من سلطة زمنية ظنوها باقية .
وقوله تعالى : { اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ . . } [ الأحزاب : 9 ] ما هو الذكر ؟ العقل حين يتلقَّى المعلومات من الحواسِّ يقارن بينها ويُغربلها ، ثم يحتفظ بها في منطقة منه تمثل خزينة للمعلومات ، وما أشبه العقل في تلقي المعلومات بلقطة ( الفوتوغرافيا ) التي تلتقط الصورة من مرة واحدة ، والناس جميعاً سواء في تلقي المعلومات ، المهم أن تصادف المعلومة خُلوّ الذِّهْن مما يشغله .
وهذه المنطقة في العقل يسمونها بؤرة الشعور ، وهي لا تلتقط إلا جزئية عقلية واحدة ، فإذا أردتَ استدعاء معلومة من الحافظة ، أو من حاشية الشعور ، فالذاكرة هي التي تستدعي لك هذه المعلومة ، وتُخرِجها من جديد من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور .
ثم هناك ما يُسمَّى بتداعي المعاني ، حين يُذكِّرك شيء بشيء آخر ، وهناك المخيِّلة ، وهي التي تُلفِّق أو تُؤلِّف من المعلومات المختزنة شيئاً جديداً ، ونسميه التخيُّل ، فالشاعر العربي حين أعجبه الوشم باللون الأخضر على بشرة شابة بيضاء تخيَّلها هكذا .
تفسير الشعراوي — صفحة 11953
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٥٣