كلمة ( إذ ، إذا ) ظرف لحدث ، تقول : إذا جاءك فلان فأكرمه ، فالإكرام مُعلّق بالمجئ ، والمعنى هنا : واذكر إذْ أخذ الله من النبيين ميثاقهم ، وهذه قضية عامة في الرسل جميعاً ، ثم فصلَّها الحق سبحانه بقوله : { وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ . . } [ الأحزاب : 7 ]
الميثاق : هو العهد يُؤخذ بين اثنين ، كالعهد الذي أخذه الله تعالى أولاً على الخَلْق جميعاً ، وهم في مرحلة الذَّرِّ ، والذي قال الله عنه : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ . . . } [ الأعراف : 172 ]
فما العهد الذي أخذه الله على النبيين ؟ العهد هنا هو : الاصطفاء والاختيار من الله لبشر أنْ يكون رسولاً وسفيراً بين الله تعالى والخلق ، وحين يصطفي الله رسولاً ليبلِّغ الناس شرع الله ، هذا الاصطفاء لا يرد ، إذن ، فهو عرض مقبول ، وحين يقبله الرسول كأنه أخذ عهداً وميثاقاً من الله تعالى بأنْ يحمل رسالة الله إلى الخَلْق ، فهي - إذن - مسألة إيجاب وقبول .
فقوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ . . ] [ الأحزاب : 7 ] الآخذ هو الحق سبحانه ، والمأخوذ منه هم النبيون ، والميثاق : العهد الموثَّق ، والعهد تعاهد وتعاقد بين طرفين على أمر يُحقِّق الصالح عندهما معاً ، ولو اختلف واحد منهما ما تَمَّ العقد ، فإنْ كان الطرفان متساويين اشترط كل منهما ما يراه لنفسه في العقد .
فإنَّ كان الميثاق من الأعلى إلى الأدنى فهو الذي يأخذ العهد للأدنى ، لماذا ؟ لأنك جعلتَه في مرتبة أنْ يعطي عهداً ، ويُوثق بينك وبينه أشياء ؛ لذلك يقول الحق سبحانه : { وَمِيثَاقَهُ الذي وَاثَقَكُم بِهِ . . . } [ المائدة : 7 ]
والمواثقة مفاعلة بين الطرفين : أنتم واثقتُموه به وهو واثقكم به ؛ لأن
تفسير الشعراوي — صفحة 11942
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٤٢