كلمة { وَأُوْلُو الأرحام } مأخوذة من الرحم ، وهو مكان الجنين في بطن أمه ، والمراد الأقارب ، وجعلهم الله أوْلى ببعض ؛ لأن المسلمين الأوائل حينما هاجروا إلى المدينة تركوا في مكة أهلهم وأموالهم وديارهم ، ولم يشأ أنصار رسول الله أن يتركوهم بقلوب متجهة إلى الأزواج .
فكانوا من شدة إيثارهم لإخوانهم المهاجرين يعرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أنْ يُطلِّق له إحدى زوجاته ليتزوجها ، وهذا لوْن من الإيثار لم يشهده تاريخ البشرية كلها ؛ لأن الإنسان يجود على صديقه بأغلى ما في حوزته وملكه ، إلا مسألة المرأة ، فما فعله هؤلاء الصحابة لون فريد من الإيثار .
وحين آخى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بين المهاجرين والأنصار هذه المؤاخاة اقتضت أنْ يرث المهاجر أخاه الأنصاري ، فلما أعزَّ الله الإسلام ، ووجد المهاجرون سبيلاً للعيش أراد الحق سبحانه أنْ تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي ، فلم تَعُدْ هناك ضرورة لأنْ يرث المهاجر أخاه الأنصاري .
فقررت الآيات أن أُولى الأرحام بعضهم أولى ببعض في مسألة الميراث ، فقال سبحانه : { وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين . . } [ الأحزاب : 6 ] فقد استقرت أمور المهاجرين ، وعرف كل منهم طريقه ورتبَّ أموره ، والأرحام في هذه
تفسير الشعراوي — صفحة 11940
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٤٠