وقوله تعالى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ . . } [ الأحزاب : 5 ] يُخْرجنا من حرج كبير في هذه المسألة ، فكثيراً ما نسمع وما نقول لغير أبنائنا : يا بني على سبيل العطف والتودد ، ونقول لكبار السن : يا أبي فلان احتراماً لهم .
فالحق سبحانه يحتاط لنا ويُعفينا من الحرج والإثم ، لأننا نقول هذه الكلمات لا نقصد الأُبوّة ولا البنوة الحقيقية ، إنما نقصد تعظيمَ الكبار وتوقيرهم ، والعطف والتحنُّن للصغار ، فليس عليكم إثْمٌ ولا ذَنْبٌ في هذه المسألة ، إنْ أخطأتم فيها ، والخطأ هو ألاَّ تذهب إلى الصواب ، لكن عن غير عَمْد .
وإذا كان ربنا - تبارك وتعالى - قد رفع عنا الحرج ، وسمح لنا باللغو حتى في الحلف بذاته سبحانه ، فقال : { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان . . . } [ المائدة : 89 ] فكيف لا يُعفينا من الخرج في هذه المسألة ؟
ثم يقول سبحانه : { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } [ الأحزاب : 5 ] سبق أنْ قُلْنا : أن الفعل إذا أُسْنِد إلى الحق سبحانه انحلَّ عنه الزمن ، فليس مع الله تعالى زمن ماض ، وحاضر ومستقبل ، وهو سبحانه خالق الزمن .
لذلك نقول : { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } [ الأحزاب : 5 ] يعني : كان ولا يزال غفوراً رحيماً ؛ لأن الاختلاف في زمن الحدث إنما ينشأ من صاحب الأغيار ، والحق سبحانه لا يطرأ عليه تغيير .
لذلك نخاف نحن من صاحب الأغيار لأنه مُتقلِّب ، ويقول أهل المعرفة : تغَّيروا من أجل ربكم - يعني : من الانحراف إلى الاستقامة - لأن الله لا يتغير من أجلكم ، أنت تتغير من أجل الله ، لكن الله لا يتغير من أجل أحد ، وما دام الحق سبحانه كان غفوراً رحيماً ، وهو سبحانه
تفسير الشعراوي — صفحة 11931
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٣١