ثم يُفسرها بحيثية أخرى ، فيقول سبحانه : { والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ]
ومعنى كظم الغيظ أنني لم أنفعل انفعالاً غضبياً ينتج عنه ردّ فعل انتقامي ، وجعلتُ غضبي في قلبي ، وكظمتُه في نفسي ، وهذه المرحلة الأولى ، أما الثانية فتُخرِج ما في نفسك من غَيْظ وغضب وتتسامح وتعفو .
ثم المرحلة الثالثة أنْ ترتقي إلى مرتبة الإحسان ، فتُحسِن إلى مَنْ أساء إليك ، وهذه رحمة ، والرحمة ؛ أنْ يميل الإنسان بالإحسان لعاجز عنه ، فإنْ كان الأمر بعكس ذلك فلا تُسمَّى رحمة ، كأن يميلَ العبدُ بإحسان إلى سيده .
هذه صور أتتْ فيها الرحمة بعد المغفرة ، وهذا هو الأصل في المسألة ، وقد تأتي الرحمة قبل المغفرة ، كأنْ تُمسك باللص الذي يسرق فتشعر أنه مُكْره على ذلك ، وليس عليه أمارات الإجرام ، فيرقّ له قلبك ، وتمتد يدك إليه بالمساعدة ، ثم تطلق سراحه ، وتعفو عنه ، فالرحمة هنا أولاً وتبعتها المغفرة .
بعد ذلك لقائل أنْ يقول : ما موقف زيد بعد أنْ أبطل الله تعالى التبني ، فصار زيدَ بن حارثة بعد أنْ كان زيد بن محمد ؟ وكيف به بعد أنْ سُلِب هذه النعمة وحُرِم هذا الشرف ؟ أضِفْ إلى ذلك ما يلاقيه من عنتَ المرجفين ، وألسنة الذين يُوغرون صدره ، ويُوقِعون بينه وبين رسول الله ، وهو الذي اختاره على أبيه .
لا شكَّ أن الجرعة الإيمانية التي تسلَّح بها زيد جعلتْه فوق هذا كله ، فقد تشرَّب قلبه حبّ رسول الله ، ووقر في نفسه قوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة
تفسير الشعراوي — صفحة 11933
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٣٣