إنَّ الكَلامَ لَفِي الفُؤاد وَإنَّما جُعِلَ اللسَانُ علَى الفُؤَادِ دَليلاً
إذن : لا بدَّ أنْ يكون الكلام نسبة في القلب ، منها تأتي النسبة الكلامية ، فهل ما تقولونه له واقع ، هل الزوجة تكون أماً ؟ وهل الولد الدعيُّ يكون ابناً . فهذا كلام من مجرد الأفواه ، لا رصيد له في القلب ولا في الواقع ، فهو - إذن - باطل ، أما الحق فما يقوله الحق سبحانه { والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِي السبيل } [ الأحزاب : 4 ] والحق هو أن يكون المعتقد في القلب مطابقاً للكائن الواقع .
فالإنسان قد يتكلم بكلام استقر في قلبه حتى صار عقيدة عنده ، وهو كلام غير صحيح ، فحين يخبر بهذا الكلام لا يُسمَّى كاذباً لأنه أخبر على وَفْق اعتقاده ، مع أن الخبر كاذب ، فهناك فَرْق بين كذب الخبر ، وكذب المخبر .
فالحق سبحانه يعاملنا في الأمر المعتقد في القلب : إنْ كان له واقع ، فهو صِدْق في الخبر ، وصِدْق في المخبر ، وإنْ كان المعتقد لا واقعَ له فهو كذب في الخبر ، وصدق في المخبر .
إذن : الأمر المعتقد يكون حقاً ، إنْ كان له واقع ، ويكون كاذباً إنْ لم يكُنْ له واقع ، فإذا لم يكُنْ هنك اعتقاد في القلب أصلاً فهو مجرد كلام بالفم ، وهذا أقل مرتبةً من القول الذي تعتقده وهو غير واقع .
فمعنى { والله يَقُولُ الحق } [ الأحزاب : 4 ] أي : الواقع الذي يجب أنْ يعتقد ، والإعجاز هنا ليس في أن الله تعالى يقول الحق الواقع بالفعل ، إنما ويخبر بالشيء فيقع في المستقبل على وَفْق ما أخبر سبحانه .
تفسير الشعراوي — صفحة 11928
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٢٨