ومن العجيب أنْ يدل رسول الله على الكفار وعلى أصحابه وأنصاره بفيض الله عليه ، وأنه أخبره بنتيجة المعركة قبل حدوثها ، فيقف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أرض بدر ، ويشير بعصا في يده إلى مصارع المشركين : هذا مصرع أبي جهل ، وهذا مصرع عتبة ، وهذا مصرع الوليد . . الخ .
فمَنْ يستطيع أنْ يحدد نتيجة معركة بهذا التفصيل ، والمعركة أَخْذٌ وردّ وكرّ وفرّ واختلاط ، مع أنهم لم يخرجوا لحرب ، إنما خرجوا لملاقاة قافلة قريش التجارية ، فما بالك لو خرجوا على حال استعداد للحرب ، وهذه سيأخذها الكفار قياساً يقيسون عليه قوة المسلمين الوليدة ، وسيقذف الله بهذه النتيجة الرعب في قلوب الكفار ، ولم لا وقد انتصرتْ القلة المستضعفة غير المجهزة علة الكثرة المتعجرفة المستعدة للحرب .
والاستفهام هنا { متى هذا الفتح . . . } [ السجدة : 28 ] ليس استفهاماً على حقيقته ، إنما يراد به الاستهزاء والسخرية ، وجواب الله على هذا الاستفهام يحدد نيتهم منه ، فهم يستبعدون هذا النصر وهذه الغلبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين ، لكنهم يستبعدون قريباً ، ويستعلجون أمراً آتياً لا ريب فيه .
وقد سجَّل القرآن عليهم مثل هذا الموقف في قوله تعالى حكاية عن الكفار يقولون لرسولهم : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } [ الأعراف : 70 ]
كلمة ( الفتح ) إنْ جاءت مُعرَّفة بأل فخيرها مضمون ، فاعلم أنها
تفسير الشعراوي — صفحة 11873
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٨٧٣