بقداسة هذه الأوامر ، ولو أنهم انتصروا مع المخالفة لفقدوا الثقة في أوامر رسول الله بعد ذلك ، ولِمَ لا وقد خالفوه في أُحُد وانتصروا ! !
كذلك في يوم حنين الذي قال الله فيه : { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ . . . } [ التوبة : 25 ]
وكان من إعجاب المؤمنين بكثرتهم أن يقول أبو بكر نفسه : لن نُغْلَب اليوم عن قلة ، لذلك لقَّنهم الله تعالى درساً ، وكادوا أنْ يُهزموا ، لولا أن الله تداركهم في النهاية برحمته ، وتحوَّلت كفَّة الحرب لصالحهم ، وكأن التأديب جاء على قدر المخالفة .
فالحق سبحانه يُعلِّمنا امتثال أمره ، وأنْ نخلص في الجندية لله سبحانه ، وأن ننضبط فيها لنصل إلى الغاية منها ، فإنْ خالفنا حُرِمْنا هذه الغاية ؛ لأنني لو أعطيتُك الغاية مع المخالفة لما أصبح لحكَمي مكان احترام ولا توقير .
وهنا يحكي الحق - تبارك وتعالى - عن المشركين قولهم لرسول الله : { متى هذا الفتح . . } [ السجدة : 28 ] أي : النصر الذي وعدكم الله به ، وقد كان هذا النصر غاية بعيدة المنال أمام المؤمنين ، فما زالوا قلَّة مُستْضعفة .
لذلك لما نزل قول الله تعالى :
{ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } [ القمر : 45 ] تعجب عمر حتى قال : أيُّ جمع هذا ، ونحن لا نستطيع أنْ نحمي أنفسنا ؟ لكن الحق سبحانه لم يُطل عليهم هذا الوضع ، وسرعان ما جاءتْ بدر ، ورأى عمر بعينه كيف تحقَّق وعد الله ، وكيف هُزِم جَمْع المشركين ، ورددها بنفسه بعد المعركة : نعم يا رب ، سَيُهزم الجمع ويولون الدبر .
تفسير الشعراوي — صفحة 11872
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٨٧٢