في الدنيا يتخلى الله عنك ، ويتركك لنفسك فتهلك ، كما حدث لقارون حين وسَّع الله عليه في الدنيا ، فاغترَّ بما في يده ، وظن أنه من سعيه وعلمه وجهده .
فكانت النتيجة { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض . . . } [ القصص : 81 ] لينبه الناس جميعاً أن المال ليس مال صاحبه ، إنما هو مُستْخلف فيه ، ولو كان ماله لحافظ عليه ، فالحق يردُّ الناس بالأحداث إلى طبيعة الفطرة الخلافية ، لأن فساد الكون يأتي من اعتبار الإنسان نفسه أصيلاً في الكون .
وسبق أنْ قُلْنا : إن الإنسان إذا نظر في الكون نظرة فاحصة عادلة لَعلِم ما يأتي : أن كل شيء لم تتدخل فيه يَدُ الإنسان سليم ، ويؤدي مهمته على أكمل وجه ، وأن كل فساد في الكون إنما هو من تدخُّل الإنسان فيه بغير قانون ربه ، ولو تدخَّل فيه بقانون ربه لَصَلُحت له الأشياء التي تدخَّل فيها ، كما صَلُحَتْ له الأشياء التي لم يتدخل فيها .
وقلنا : إنك إذا رأيتَ عواراً في الكون فاعلم أنه نتيجة حقٍّ مُضيَّع من حقوق الله ، فحين ترى فقيراً يتضوَّر جوعاً أو عرياناً لا يملك ما يستر عورته ، فاعلم أن الأغنياء قصَّروا في أداء حق الله في الزكاة ؛ لأن الله تعالى شرعها بحساب ، فلو أن القادر أخرج الزكاة المفروضة في ماله لما بقي في المجتمع المحيط به محتاج .
ثم يريد منا الحق سبحانه أن نحافظ في نفوسنا على إيمان الفطرة ، وعلى الذرة الإيمانية الأولى التي لم تدخلها الشهوة ، ولم يخالطها النسيان ، هذه الذرة التي شهدت العهد الأول الذي قال الله فيه :
تفسير الشعراوي — صفحة 11856
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٨٥٦