واثق أنها لو بُحثَتْ بالعقل لردها العقل ولم يقبلها - والحق سبحانه يريد إلاَّ يترك عذراً لأحد في البلاغ ، فالدعوة قد بلغتْ الجميع بلاغاً سليماً واضحاً ، تلك آيات الله في الكون .
ثم يأتي الحق سبحانه بآيات معجزة ليثبت صِدْق الرسول ، فيجعلها تخالف نواميس الكون فيما نبغ فيه القوم ليقطع عليهم الحجة ، ثم يأتي بآيات الأحكام التي تحمل المنهج بافعل ولا تفعل ، ويُبيِّن أنَّ صلاح حركة الحياة في تطبيق هذا المنهج ويترك للمخالفات أن تُظهِر بعض العيوب ، فإذا ما نظرتَ إلى عيب أو عورة في المجتمع عرفتَ أنها نتيجة طبيعية لمخالفة منهج الله ، فكأن المخالفة ذاتها من مُؤكِّدات الحكم .
ثم يُبيِّن سبحانه أنه أرسل رسلاً كثيرين من لَدُنْ آدم عليه السلام ؛ لأن الإنسان الذي هو خليفته في الكون تصيبه غفلة حين ينخرط في أسباب الدنيا ، وتأخذ عليه كل فكره وكل همه ، فينسى ما طلب الله منه ، فمن عادة الإنسان ألاَّ يتذكر إلاَّ ما ينفعه النفع العاجل .
لذلك نجد كثيراً من الناس ينسى ما للناس عنده ، ويتذكر ما له عندهم .
فالحق سبحانه يقول : أنا لم يَعُدْ لخَلْقي عندي حجة ، فقد نثرتُ لهم آيات الكون المُلْفتة ، وهي آيات واضحات لم يدَّعها أحد لنفسه ، ومع كثرة الملحدين والكافرين لم نَرَ أبداً من ادَّعى خَلْق الشمس أو القمر ، ولم يقُلْ أحد : إنني أُسيِّر الريح ، أو أُنبِت الزرع ، أو أُنزِل الماء من السحاب .
والحق سبحانه يُنبهنا أيضاً : لا تنْس أيها الإنسان أنك خليفة لله في الأرض ، وإياك أنْ تظن أنك أصيل فيها ، فساعةَ تظن أنك أصيل
تفسير الشعراوي — صفحة 11855
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٨٥٥