ثم أَلاَ ترى أن الحق سبحانه حينما يعرض علينا طرفاً من ذكر الجنة لا يقول لنا الجنة كذا وكذا ، إنما يقول : { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون . . . } [ الرعد : 35 ] أي : أن ما نعرضه عليك ليس هو الجنة ، إنما شبيه بها ، أما هي على الحقيقة ففوق الوصف الذي تؤديه اللغة ، فأنا أعطيكم الصورة القريبة لأذهانكم .
ثم يُنقى الحق سبحانه المثل الذي يضربه لنا من شوائبه في الدنيا ، وتأمل في ذلك قول الله تعالى عن نعيم الجنة : { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ . . . } [ محمد : 15 ] وكانت آفة الماء عندهم أن يأسن ويتغير في الجرار ، فنقَّاه الله من هذه الآفة .
وكذلك في { وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ . . . } [ محمد : 15 ] وكان العربي إذا سار باللبن يحمض فيعافه { وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ . . . } [ محمد : 15 ] وآفة خمر الدنيا أنها تغتال العقل ، وتذهب به ، وليس في شربها لذة ؛ لذلك نرى شاربها والعياذ بالله يتجرَّعها مرة واحدة ، ويسكبها في فمه سَكْباً ، دليلاً على أنها غير طيبة ، وهل رأيت شارب الخمر يمتصُّها مثلاً كما تمتص كوباً من العصير ، وتشعر بلذة شربه ؟
وقد وصف الله خمر الآخرة بقوله : { لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } [ الصافات : 47 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 11835
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٨٣٥