ثم يقول سبحانه : { وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى . . . } [ محمد : 15 ] فوصف العسل بأنه مُصفَّى ؛ لأن آفة العسل عندهم ما كان يعلَق به من الحصى والشوائب حين ينحدر من بيوت النحل في الجبال ، فصفَّى الله عسل الآخرة من شوائب العسل في الدنيا .
ومهما بلغ بنا ترف الحياة ونعيمها ، ومهما عَظْمَتْ إمكاناتنا في الدنيا ، فلن نرى فيها نهراً من الخمر ، أو من اللبن ، أو من العسل ، ثم إن هذه الأنهار تجري في الجنة بلا شطآن ، بل ويتداخل بعضها في بعض دون أن يطغى أحد منها على الآخر ، وهذه طلاقة القدرة التي لا حدود لها .
إذن : الحق سبحانه حين يشرح لنا نعيم الجنة ، وحين يَصفُها يعطينا المثال لا الحقيقة ، ثم يُنقِّى هذا المثال مما يشوبه في الدنيا .
ومن ذلك أن العربي كان يحب شجرة السِّدر أي النبق ، فيستظل بظلها ، ويأكل ثمرها ، لكن كان ينغص عليه هذه اللذة ما بها من أشواك لا بُدَّ أنْ تؤذى مَنْ يقطف ثمارها ، فلما ذكرها الله تعالى في نعيم الجنة قال عنها : { فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ } [ الواقعة : 28 ] أي : منزوع الشوك ، فالمتعة به تامة لا يُنغِّصها شيء .
ولما تكلم عن نساء الجنة قال سبحانه عن الحور العين : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ } [ الرحمن : 74 ] فنفى عنهن ما يُنغِّص على
تفسير الشعراوي — صفحة 11836
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٨٣٦