تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11761

مساهمون:

ص١١٧٦١
وما دام وعد الله حقاً فعليك أنْ تفعل ما وعدك عليه بالخير وتجتنب ما توعَّدك عليه بشرٍّ ، وألاَّ تغرك الحياة { فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا . . } [ لقمان : 33 ] أي : بزينتها وزُخْرفها ، فهي سراب خادع ليس وراءه شيء ، واقرأ قول الله تعالى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } [ المؤمنون : 115 ] والحق سبحانه يضرب لنا مثلاً للدنيا ، لا ليُنفِّرنا منها ، وإنما لنحتاط في الإقبال عليها ، وإلا فحبُّ الحياة أمر مطلوب من حيث هي مجال للعمل للآخرة ومضمار للتسابق إليها . يقول تعالى في هذا المثل : { واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا . . . } [ الكهف : 45 ] فسماها دنيا ، وليس هناك وصف أبلغ في تحقيرها من أنها دنيا { كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح . . . } [ الكهف : 45 ] نعم ، كذلك الدنيا تزدهي ، لكن سرعان ما تزول ، تبدأ ابتداءً مقنعاً مغْرياً ، وتنتهي انتهاءً مؤسفاً . وقوله تعالى : { وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور } [ لقمان : 33 ] والغَرور بالفتح الذي يغرُّك في شيء ما ، والغرور يوضحه لنا الشاعر الجاهلي وهو يخاطب محبوبته فيقول : أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التدَلُّل . . . وإنْ كنت قَدْ أَزْمعتِ صَرْمي فأَجْمِلِي أغرَّك مني أنَ حبَّكِ قَاتِلي . . . وأَنَّكِ مَهْما تأْمُري القَلْبَ يفعَلِ فمعنى غرَّك : أدخل فيك الغرور ، بحيث تُقبل على الأشياء ،