بعد أن حذرنا ربنا - تبارك وتعالى - من الغرور في الحياة الدنيا يُذكِّرنا أن بعد هذه الحياة حياة أخرى ، وقيامه وساعة { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة . . } [ لقمان : 34 ] والساعة لا تعني القيامة فحسب ، إنما لكل منا ساعته ، لأنه مَنْ مات فقد قامت قيامته .
لماذا ؟ لأنه انقطع عمله ، ولا يمكنه تدارك ما فاته من الإيمان أو العمل الصالح ، فكأن قيامته قامت بموته .
وقلنا : إن عمر الدنيا بالنسبة لك هو مقدار عمرك فيها ، وإنْ كان عمر الدنيا على الحقيقة من لَدُن آدم - عليه السلام - إلى قيام الساعة ، لكن ماذا استفدتَ أنت من عمر غيرك ؟
إذن : لا ينبغي أن تقول : إن الدنيا طويلة ؛ لأن عمرك فيها قصير ، ثم إنك لا تعلمه ، ولا تستطيع أنْ تتحكم فيه ، وكما أبهم الله الساعة أبهم الأجل ؛ لأن في إبهامه أنفع البيان ، فلما أبهم الله الأجل جعل النفس البشرية تترقبه في كل لحظة ، فكل لحظة تمر عليك يمكن أن يأتيك فيها الموت .
وهكذا أشاع الموت في كل الزمن ، وما دام الأمر كذلك فلا بُدَّ أن ينتبه الإنسان ويخشى أن يموت وهو على معصية ، فالإبهام هنا هو عَيْن البيان .
وقلنا : إن الذين ماتوا من لَدُن آدم عليه السلام يلبثون في قبورهم طوال هذه المدة ، فإذا ما قامت القيامة { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } [ النازعات : 46 ] لماذا ؟ قالوا : لأن قياس الزمن إنما يتأتى بالأحداث ، فحيث لا توجد أحداث لا يوجد زمن .
ومثَّلْنا لذلك بأهل الكهف الذين مكثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ، ومع ذلك لما سأل بعضهم بعضاً { كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا
تفسير الشعراوي — صفحة 11763
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧٦٣