تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11760

مساهمون:

ص١١٧٦٠
قبل أنْ تقع فيه ، نعمة لأن الله لم يأخذنا على غِرَّة ، ونبهنا إلى الخطر قبل أنْ نقع فيه . ووَعْد الله حقٌّ ؛ لأنه وعد ممَّنْ يملك الوفاء بما وعد ، وإنفاذ ما وعد به ، أما غير الله سبحانه فلا يملك أسباب الوفاء ، فوعده لا يُوصَف بأنه حق ؛ لذلك قال سبحانه في سورة الكهف : { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله . . . } [ الكهف : 23 - 24 ] فأنت وإنْ كنتَ صادقاً فيما وعدتَ به إلا أنك لا تضمن البقاء إلى أنْ تفي بما وعدتَ ، فإنْ بقيت فقد تتغير الأسباب فتحول بينك وبين الوفاء ، وأنت لا تملك سبباً واحداً من هذه الأسباب . إذن : تأدب ودَع الأمر لمَنْ يملك كل أسباب إنفاذ الوعد ، وقُلْ سأفعل كذا إن شاء الله ، حتى إذا لم تنفذ يكون لك حجة فتقول : أردتُ لكن الله لم يشأ . وكأن ربنا - عَزَّ وَجَلَّ - يريد أنْ يداري كذبنا ويستره علينا ، يريد ألاَّ يفضحنا به ، وأخرجنا من هذه المسؤولية بترك المشيئة له سبحانه ، وكأن قدر الله في الأشياء صيانة لعبيده من عبيده . لذلك كثيراً ما نقول حينما لا نستطيع الوفاء : هذا قدر الله ، وماذا أفعل أنا ، والأمر لا يُقضى في الأرض حتى يُقضى في السماء . وما دمنا قد آمنا بقدر الله والحكمة منه ، فلا تغضب مني إنْ لم أفِ لك وأنت كذلك ، والعاقل يعلم تماماً حين يقضي أمراً لأحد أن قضاء الأمر جاء معه لا به ، فالقدر قضاء ، ووافق قضاؤه قضاء الله للأمر ، فكأن الله كرَّمه بأنْ يقضي الأمر على يديه ، لذلك قلنا : إن الطبيب المؤمن يقول : جاء الشفاء معي لا بي ، وأن الطبيب يعالج والله يشفي ، إذن : لا يُوصَف الوعد بأنه حقٌّ إلا وعد الله عَزَّ وَجَلَّ .
تفسير الشعراوي — صفحة 11760 | محمد متولي الشعراوي