قوله تعالى : { ذَلِكَ . . } [ لقمان : 30 ] إشارة إلى ما تقدم ذِكْره من دخول الليل في النهار ، ودخول النهار في الليل ، وتسخير الشمس والقمر ، ذلك كله { ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الحق . . } [ لقمان : 30 ] فكل ما تقدم نشأ عن صفة من صفات الله وهو الحق ، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير ، فكأن ناموس الكون بكل أفلاكه وبكل المخلوقات فيه له نظام ثابت لا يتغير ؛ لأن الذي خلقه وأبدعه حق { بِأَنَّ الله هُوَ الحق . . } [ لقمان : 30 ]
وما دام الله تعالى هو ( الحق ) فما يدَّعونه من الشركاء هم الباطل { وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل . . } [ لقمان : 30 ] ، فلا يوجد في الشيء الواحد حَقَّان ، فإنْ كان أحدهما هو الحق فغيره هو الباطل ، فالحق واحد ومقابله الباطل . وأيُّ باطل أفظع من عبادتهم للأصنام واتخاذها آلهة وشركاء مع الله عَزَّ وَجَلَّ ؟
كيف وهي حجارة صوَّروها بأيديهم وأقاموها ليعبدوها من دون الله ، والحجارة جماد من جمادات الأرض ، والجماد هو العبد الأول لكل المخلوقات ، عبد للنبات ، وعبد للحيوان ، وعبد للإنسان ؛ لأنه مُسخّر لخدمة هؤلاء جميعاً .
فكيف بك وأنت الإنسان الذي كرَّمك ربك وجعل لك عقلاً مفكراً تتدنى بنفسك وترضى لها أنْ تعبد أدنى أجناس الوجود ، وتتخذها شريكاً مع الله ، وأنت ترى الريح إذا اشتدتْ أطاحتْ باللات أو بالعزى ، وألقتْه على الأرض ، وربما كُسرت ذراعه ، فاحتاج لمن يصلح هذا الإله ، إذن { وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل . . } [ لقمان : 30 ]
لذلك ؛ قلنا في الحروب التي تنشب بين الناس : إنها لا تنشب بين حقين ؛ لأن الحقيقة لا يوجد فيها حقَّان ، إنما هو حق واحد ،
تفسير الشعراوي — صفحة 11744
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧٤٤