منفعلة لك أنت ، إنما هي مُسخَّرة بكُنْ الأولى حين قال الله لها كوني مُسخَّرة لإرادته ، إذن : أنا أفعل بدون كُنْ ؛ لأنها ليست في مقدوري أنا ، فكأن كُنْ الأولى من الله تعالى هي كُنْ لنا جميعاً .
وبهذا الفهم استطعنا تفسير حادثة الإسراء والمعراج ، واستطعنا الرد على منكريها ، فالله يقول : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى . . . } [ الإسراء : 1 ]
فلما سمع الكفار بالحادثة أنكروها وقالوا : كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً ؟ نعم أنتم تضربون إليها أكباد الإبل شهراً ؛ لأن فعلكم يحتاج إلى زمن ومزاولة نوزع فيها جزئيات الفعل على جزئيات الزمن ، أمَّا محمد فلم يقُلْ سريتُ ، فيكون في الفعل كأحدكم إنما قال : أُسرِي بي .
إذن : فهو محمول على قدرة أخرى ، فالفعل لا يُنسب إليه إنما إلى حامله إلى الله ، وقلنا : كلما زادتْ القوة قلَّ الزمن ، فإذا كانت القوة قوة الحق - تبارك وتعالى - فلا زمن ؛ لذلك يقول سبحانه في مسألة الخلق والإعادة : { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ . . } [ لقمان : 28 ]
فالأمر يسير على الله ؛ لأن خَلْق النفس الواحدة وخَلْق جميع الأنفس يتم بكُنْ ، فالمسألة لا تحتاج إلى تسعة أو ستة أشهر .
وضربنا مثلاً لتوضيح هذه المسألة بصناعة الزبادي مثلاً ، فأنت تأتي باللبن وتضع عليه المادة المعروفة وتتركه في درجة حرارة معينة فيتحول تلقائياً إلى الزبادي الذي تريده ، فهل جلستَ أمام كل
تفسير الشعراوي — صفحة 11734
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧٣٤