بعد أن سجَّل الله تعالى عليهم اعترافهم وشهادتهم بأنه سبحانه خالق السماوات والأرض ، أراد سبحانه أنْ يُبيِّن لنا أن السماوات والأرض ظرف لما فيهما ، وفيهما أشياء كثيرة ، منها ما نعرفه ، ومنها ما لا نعرفه ، والمظروف دائماً أغلى من المظروف فيه ، فما في ( المحفظة ) من نقود عادة أغلى من المحفظة ذاتها ، وما في الخزانة من جواهر وأموال أو أوراق هامة أنفَسُ من الخزانة وأهمّ .
لذلك قلنا : إياك أنْ تجعل كتاب الله حافظة لشيء هام عندك ؛ لأنه أغلى من أيِّ شيء فينبغي أنْ نحفظه ، لا أنْ نحفظ فيه .
وكأن في الآية إشارة إلى أنهم كما اقرُّوا لله تعالى بخَلْق السماوات والأرض ينبغي أنْ يُقروا كذلك بأن له سبحانه ما فيهما ، وهذه مسألة عقلية يهتدي إليها كل ذي فكر سليم ، فما دامت السماوات والأرض لله ، فله ما فيهما ، وهَبْ أن لك قطعة أرض تمتلكها ، ثم عثرتَ فيها على شيء ثمين ، إنه في هذه الحالة يكون مِلكك شرعاً وعقلاً .
وينبغي للعاقل أنْ يتأمل هذه المسألة : لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض ، ومن هذه الأشياء الإنسان الذي كرَّمه الله ، وجعله سيداً لجميع المخلوقات وأعلى منها ، بدليل أنها مُسخَّرة لخدمته : الحيوان والنبات والجماد ، فهل يصح أن يكون الخادم أعظم من سيده أو أطول عمراً منه ؟
فعلى العاقل أن يتأمل هذه المسألة ، وأن يستعرض أجناس الكون ويتساءل : أيكون الجماد الذي يخدمني أطول عمراً مني ؟
إذن : لا بد أن لي حياة أخرى تكون أطول من حياة الشمس والقمر وسائر الجمادات التي تخدمني ، وهذا لا يكون إلا في الآخرة
تفسير الشعراوي — صفحة 11718
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧١٨