إذن : فالكتب التي بأيديهم لا تصلح للجدل في الله ؛ لأنها تفقد العلم والحجة والهدى ، ولا تُعَدُّ من الكتاب المنير المشرق الذي يخلو من التضبيبات والفجوات ، فجوات النسيان والكتمان ، والتحريف والاختلاق .
فمَنْ يريد أنْ يجادل في الله فليجادل بناء على علم بدهىٍّ أو هدى استدلالي ، أو كتاب منير . والكتب المنزلَّة كثيرة ، منها صحف إبراهيم وموسى ، ومنها زُبُر الأولين ، والزبور نزل على سيدنا داود ، والتوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى - عليهم جميعاً السلام - وهذه كلها كتب من عند الله ، لكن هل طرأ عليها حالة عدم الإنارة ؟
نقول : نعم ، لأنها انطمست بشهوات البشر فيها وبأهوائهم التي شوَّهتها وأخرجتها عن الإشراقية والنورانية التي كانت لها ، وهذا نتيجة السلطة الزمنية وهي أقسى شيء في تغيير المناهج .
هذه السلطة الزمنية هي التي منعتْ اليهود أن يؤمنوا برسول الله ، وهم يعلمون بعثته في بلاد العرب ، ويعلمون موعده وأوصافه ، وأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاتم الرسل ؛ لذلك يقول القرآن عنهم : { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ . . . } [ الأنعام : 20 ]
ويقول عنهم : { وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [ البقرة : 146 ] لذلك ، سيدنا عبد الله بن سلام يقول عن سيدنا رسول الله : والله لقد عرفتُه حين رأيته كمعرفتي لابني ، ومعرفتي لمحمد أشد .
تفسير الشعراوي — صفحة 11696
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٩٦