وفي المقابل يقول عن الكفار الذين سيُحرمون هذه الرؤية { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } [ المطففين : 15 ]
ثم لما تجلى الحق سبحانه للجبل ، وهو الجنس الأقوى من موسى مادةً وصلابة أندكَّ الجبل ، ونظر موسى إلى الجبل المتجلَّي عليه فخرَّ صَعقاً ، فما بالك لو نظر إلى المتجلِّي سبحانه ؟
إذن : الحق سبحانه حينما يريد أنْ يخاطب أحداً من خَلْقه ، أو يتجلى عليه يُعِدُّه لذلك ، ويُربِّيه على عينه ، كما قال عن موسى
{ وَلِتُصْنَعَ على عيني } [ طه : 39 ] وقال في موضع آخر : { واصطنعتك لِنَفْسِي } [ طه : 41 ] ثم يقوم هذا المربي الذي رباه الله بتربية الخَلْق .
وقد ربى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمته في ثلاث وعشرين سنة ، ولو أن الله تعالى خاطب كل إنسان بالمنهج لاستغرقتْ تربية الناس وقتاً طويلاً ؛ لذلك يصطفي الله الرسل ، ويعطيهم من الخصائص ما يُمكِّنهم من تربية الأمم بعد أنْ ربَّاهم الله ، واصطنعهم على عينه .
إذن : كان ولا بُدَّ من إرسال الرسل للبلاغ عن الله : مَنْ هو ، ما اسمه ، ما صفاته ؟ ما مطلوباته ؟ ماذا أعدَّ لمن اطاعه ؟ وماذا أعد لمن عصاه . . إلخ . لذلك فأول دليل على بطلان الشرك أنْ تقول للذي يشرك الشمس أو القمر أو الأصنام مع الله في العبادة : وماذا قالت لك هذه الأشياء ؟ ما مطلوباتها ؟ ما مرادها منك ؟ وإلا ، فلماذا تعبدها والعبادة في أوضح معانيها : طاعة العابد لأمر المعبود ونهيه ؟
فإنْ قُلْتَ : إذن لماذا قَبِلَتْ عقول هؤلاء القوم أنْ يعبدوا هذه الأشياء ؟ نقول : لأن التديُّنَ طبيعة في النفس البشرية ومركوز في الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، وسبق أنْ أوضحنا أن كلاً منا فيه ذرة حية من أبيه - عليه السلام - لم يطرأ عليها الفناء ، وإلا لما وُجِد الإنسان ، وهذه الذرة في كل منا هي التي شهدتْ الفطرة ،
تفسير الشعراوي — صفحة 11693
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٩٣