أنْ نستغني عنه أخذ منا خبرة وقدرة وعلماً . . إلخ .
فما بالك بالشمس التي تنير الكون كله منذ خلق الله هذا الكون دون أنْ تكلّ أو تملَّ أو تتخلف يوماً واحداً ، وهي لا تحتاج إلى صيانة ولا إلى قطعة غيار ، أليست جديرة بأن نسأل عمَّنْ خلقها وأبدعها على هذه الصورة ، خاصة وانها فوق قدرتنا ولا تنالها إمكاناتنا .
هذه هي الآيات التي نأخذها بالأدلة ، لكن هذه الأدلة لا تُوصِّلنا إلا إلى أن لهذا الكون بآياته العجيبة خالقاً مبدعاً ، لكن العقل لا يصل بي إلى هذا الخالق : مَنْ هو ، وما اسمه ، إذن : لا بُدَّ من بلاغ عن الله على يد رسول يبلغنا مَنْ هذا الخالق وما اسمه وما مطلوباته ، وماذا أعدّ لمن أطاعه ، وماذا أعدَّ لمن عصاه .
وفَرْق بين التعقُّل والتصوُّر ، والذي أتعب الفلاسفة أنهم خلطوا بينهما ، فالتعقل أن أنظر في آيات الكون ، وأرى أن لها موجداً ، أمّا التصور فبأنْ أتصور هذا الموجِد : شكله ، اسمه ، صفاته . . إلخ وهذه لا تتأتى بالعقل ، إنما بالرسول الذي يأتي من قِبَل الإله الموجد .
وسبق أن ضربنا مثلاً - ولله تعالى المثل الأعلى - قلنا : لو أننا نجلس في مكان مغلق ، وطرق الباب طارق ، فكلنا يتفق على أن طارقاً بالباب لا خلاف في هذه ، لكن نختلف في تصوُّره ، فواحد يتصور انه رجل ، وآخر يقول : طفل ، وآخر يتصوَّره امرأة ، وواحد يتصوره بشيراً ، وآخر يتصوره نذيراً . . إلخ .
إذن : اتفقنا في التعقُّل ، واختلفنا في التصور ، ولكي تعرف مَن الطارق فعلينا أن نقول : من الطارق ؟ ليعلن هو عن نفسه ويخبرنا
تفسير الشعراوي — صفحة 11691
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٩١