تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11682

مساهمون:

ص١١٦٨٢
حياتكم ، ويمدكم دائماً بمقوِّمات هذه الحياة بحيث لا ينقصكم شيء ، لا في استبقاء الحياة ، ولا في استبقاء النوع ؛ لأن الذي خلق سبحانه يعلم كل ما يحتاجه المخلوق . أما إذا رأيتَ قصوراً في ناحية ، فالقصور من ناحية الخَلْق في أنهم لم يستنبطوا من معطيات الكون ، أو استنبطوا خيرات الكون ، لكن بخلوا بها وضنُّوا على غيرهم ، وهذه هي آفة العالم في العصر الحديث ، حيث تجد قوماً قعدوا وتكاسلوا عن البحث وعن الاستنباط ، وآخرين جدُّوا ، لكنهم بخلوا بثمرات جدهم ، وربما فاضتْ عندهم الخيرات حتى ألقَوْها في البحر ، وأتلفوها في الوقت الذي يموت فيه آخرون جوعاً وفقراً . إذن : فآفة العالم ليس في أنه لا يجد ، إنما في أنه لا يحسن استغلال ما يجد من خيرات ، ومن مُقوِّمات لله تعالى في كونه . فقوله تعالى : { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً . . } [ لقمان : 20 ] هذه حقيقة لا ينكرها أحد ، فهل تنكرون أنه خلقكم ، وخلق لكم من أنفسكم أزواجاً منها تتناسلون ؟ هل تنكرون أنه خلق السماوات بما فيها من الكواكب والمجرَّات ، وخلق الليل فيه منامكم ، والنهار وفيه سعيكم على معايشكم ؟ ثم في أنفسكم وما خلقه فيكم من الحواس الظاهرة وغير الظاهرة ، وجعل لكل منها مجالاً ومهمة تؤديها دون أنْ تشعر أنت بما أودعه الله في جسمك من الآيات والمعجزات ، وكل يوم يطلع علينا العلم بجديد من نِعَم الله علينا في أنفسنا وفي الكون من حولنا . فمعنى { ظَاهِرَةً . . } [ لقمان : 20 ] أي : التي ظهرتْ لنا : { وَبَاطِنَةً . . } [ لقمان : 20 ] لم نصل إليها بعد ، ومن نِعَم الله علينا ما ندركه ، ومنها ما لا ندركه .