أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس . . . } [ يونس : 24 ]
وفي الآخرة سنرى من آيات الله ومن عجائب مخلوقاته شيئاً آخر ، وكأن الحق تعالى يقول لنا : لقد رأيتُم آياتي في الدنيا واستوعبتموها ، فتعالوا لأُريكم الآيات الكبرى التي أعددتها لكم في الآخرة .
ففي الآخرة سأنشئكم نشأة أخرى ، بحيث تأكلون ولا تتغوَّطون ولا تتألمون ، وتمر عليكم الأعوام ولا تشيبون ، ولا تمرضون ، ولا تموتون ، لقد كنتم في الدنيا تعيشون بأسبابي ، أما في الآخرة فأنتم معي مع المسبِّب سبحانه ، فلا حاجة لكم للأسباب ، لا لشمس ولا لقمر ولا . . إلخ .
لذلك نقول : من أدب العلماء أنْ يقولوا اكتشفنا لا اخترعنا ؛ لأن آيات الله ونِعَمه مطمورة في كونه تحتاج لمن يُنقِّب عنها ويستنتجها مما جعله الله في كونه من معطيات ومقدمات .
وسبق أنْ قلنا : إن كل سرٍّ من أسرار الله في كونه له ميلاد كميلاد الإنسان ، فإذا حان وقته أظهره الله ، إما ببحث العلماء وإلا جاء مصادفة تكرُّماً من الله تعالى على خَلْقه الذين قَصُرَت جهودهم عن الوصول إلى أسراره تعالى في كونه .
وفي هذا إشارة مقدمة لنْ نؤمن بالغيب الذي أخبرنا الله به ، فما دُمْنا قد رأينا نِعَمه التي كانت مطمورة في كونه فينبغي علينا أنْ نؤمنَ بما يخبرنا به من الغيب ، وأنْ نأخذَ من المُشاهَد دليلاً على ما غاب .
تفسير الشعراوي — صفحة 11684
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٨٤