التنقُّل منها ، كما سخر الله الشمس والقمر . . إلخ ، فعلى الرغم من أن كثيراً من الناس منصرفون عن الله وعن منهج الله لم تتأبَّ الشمس في يوم من الأيام أنْ تشرق عليهم ، ولا امتنع عنهم الهواء ، ولا ضنَّتْ عليهم الأرض بخيراتها ولا السماء بمائها ، لماذا ؟ لأنها مُسخَّرة لا اختيار لها .
ولا نفهم من ذلك أن الله سخَّر هذه المخلوقات رغماً عنها ، فهذا فهم سطحي لهذه المسألة ، حيث يرى البعض أن الإنسان فقط هو الذي خُيِّر ، إنما الحقيقة أن الكون كله خُيِّر ، وهذا واضح في قول الله تعالى : { إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [ الأحزاب : 72 ]
إذن : فالجميع خُيِّر ، خُيِّرت السماوات والأرض والجبال فاختارت أن تكون مُسخَّرة لا إرادة لها ، وخُيِّر الإنسان فاختار أنْ يكون مختاراً ؛ لأن له عقلاً يفكر به ويقارن بين البدائل .
ومعنى التسخير أنك لا تستطيع أن تخضع ما ينفعك من الأشياء في الكون بعقلك ولا بإرادتك ولا بالمنهج ، والدليل على ذلك أنك إذا صِدْتَ طيراً وحبسته في قفص ومنعته من أنْ يطير في السماء وتريد أن تعرف : أهو مُسخَّر لك أم غير مسخر وحبسه حلال أم حرام ؟ فافتح له باب القفص ، فإنْ ظلَّ في صحبتك فهو مُسخَّر لك ، راضٍ عن بقائه معك باللقمة التي يأكلها أو المكان الذي أعددتَهُ له ، وإنّ خرج وترك صحبتك فاعلم أنه غير مُسخَّر لك ، ولا يحقُّ لك أن تستأنسه رغماً عنه .
لذلك سيدنا عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لما مَرَّ بغلام صغير يلعب بعصفور أراد أنْ يُعلِّمه درساً وهو ما يزال ( عجينة ) طيِّعة ، فأقنعه
تفسير الشعراوي — صفحة 11680
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٨٠