هذا التشبيه بالذات كأن الحق سبحانه يُنبِّهنا أن التكبُّر وتصعير الخدِّ داء ، فهذا داء جسدي ، وهذا داء خلقي . وقد تنبه الشاعر إلى هذا المعنى فقال :
فَدَعْ كُلَّ طَاغِيةٍ للزَّمانِ . . . فإنَّ الزمانَ يُقيم الصَّعَر
يعني : إذا لم يستطع أبناء الزمان تقويم صعر المتكبر ، فدعْه للزمان فهو جدير بتقويمه ، وكثيراً ما نرى نماذج لأناس تكبروا وتجبروا ، وهم الآن لا يستطيع الواحد منهم قياماً أو قعوداً ، بل لا يستطيع أنْ يذب الطير عن وجهه .
والإنسان عادة لا يتكبر إلا إذا شعر في نفسه بميزة عن الآخرين ، بدليل أنه إذا رأى مَنْ هو أعلى منه انكسر وتواضع وقوَّم من صَعره ، ومثَّلنا لذلك ب ( فتوة ) الحارة الذي يجلس على القهوة مثلاً واضعاً قدماً على قدم ، غير مُبَال بأحد ، فإذا دخل عليه ( فتوة ) آخر أقوى منه تلقائياً يعتدل في جلسته .
وهذه المسألة تفسر لنا الحكمة التي تقول ( اتق شر من أحسنت إليه ) لماذا ؟ لأن الذي أحسنتَ إليه مرتْ به فترة كان ضعيفاً محتاجاً وأنت قوي فأحسنتَ إليه ، وقدَّمْتَ له المعروف الذي قوّم حياته فأصبح لك يَدٌ عليه ، وكلما رآك ذكَّرته بفترة ضعفه ، ثم إن الأيام دُوَل تدور بين الخَلْق ، والضعيف يصبح قوياً ويحب أنْ يُعلي نفسه بين معارفه ، لكنه لا بُدَّ أن يتواضع حينما يرى مَنْ أحسن إليه ، وكأن وجود مَنْ أحسن إليه هو العقبة أمام عُلُوِّه وكبريائه ؛ لذلك قبل : ( اتق شر من أحسنت إليه ) .
ثم أن الذي يتكبر ينبغي أنْ يتكبَّر بشيء ذاتي فيه لا بشيء موهوب له ، وإذا رأيتَ في نفسك ميزة عن الآخرين فانظر فيما تميزوا وهم به عليك ، وساعة تنظر إلى الخَلْق والخالق تجد كل مخلوق لله جميلاً .
تفسير الشعراوي — صفحة 11672
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٧٢