ما آلوا إليه ؟ أقَدرْنا أن نجازيهم على ما اقترفوه في حقكم ؟ نعم يا رب ، فسخرية الكفار من أهل الإيمان في دار الباطل الفانية انقلبت سخرية منهم في دار الحق الباقية ، وهي سخرية دائمة لا نهاية لها .
إذن : { أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا . . . } [ القصص : 63 ] يعني : حتى نكون سواء ، لا يكون أحدنا أحسن من الآخر ، ومن هذا المنطلق أغوى إبليس آدمَ ، لأنه لما طغى وطُرد من رحمة الله ، ومن الصفائية التي كان ينعمَ بها مع الملائكة . أراد أنْ يأخذ آدم بل وذريته إلى هذا المصير ، فقد حَزَّ في نفسه أن يلاقي هذا المصير وحده ، في حين ينعَم آدم وذريته برحمة الله ورضوانه .
لذلك نجد إبليس - لعنه الله - لا يكتفي بأن تُغوي ذريته ذريةَ آدم ، إنما يطلب من الله أنْ يُنظره إلى يوم البعث ليباشر بنفسه هذه الغواية ، فهو ( المعلم ) الكبير ، وكأنه يحذر أن إمكانات ذريته في الغواية قد لا ترضيه ؛ لذلك يتولى بنفسه هذه المهمة فيقول : { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم } [ الأعراف : 16 ] .
والبعض يفهم قوله تعالى : { قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ } [ الأعراف : 14 - 15 ] أن الله تعالى أجاب إبليس إلى ما طلب ، لكن { إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ } [ الأعراف : 15 ] ليست إجابةً ، إنما تقرير لشيء حادث بالفعل قبل أن يطلب ، فالمعنى أن سؤالك ليس له معنى ؛ لأنك من المنظرين فعلاً ، لماذا ؟ قالوا : لأن الله تعالى يريد أنْ يظلَّ إبليس الذي أغوى آدم وأخرجه من الجنة باقياً أمام ذريته ليُذكِّرهم دائماً : هذا الذي أغوى أباكم آدم .
تفسير الشعراوي — صفحة 10984
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٩٨٤