وسلَبْ الإرادة والاختيار ، وما أشبههم بفرعون حين قال الله له : { آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين } [ يونس : 91 ] .
وقولهم : { مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } [ القصص : 63 ] يقول الشركاء : ما كان معنا قوة قهر نحملكم بها على عبادتنا ، ولا قوة سلطان أو حجة نقنعكم بها ، إنما كنتم في انتظار إشارة منا ، كما قال كبيرهم إبليس : { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ . . . } [ إبراهيم : 22 ] .
إذن : فهؤلاء المشركون كانوا يعبدون أنفسهم وذواتهم ؛ لأن الشركاء كانوا أصناماً أو غيرها ، وليس لهم منهج يتكلَّمون به ، ويدْعُون الناس إلى عبادتهم به ، وإلا فماذا قالت الأصنام أو الشمس أو النجوم لمن عبدها ؟ بِمَ أمرتهم ، وعمَّ نهتْهم ؟
إذن : هو إله بلا منهج وبلا تكليف ، وهذا ما يريده المشركون ؛ لأن الذي يُتعب الناس في قضية الإيمان بالألوهية ما تقتضيه من تكاليف ، وما تفرضه من أمرأو نهي يحول بين النفس البشرية وما تشتهي ، ويُوقفها عند حدود لا تتعداها .
إذن : { مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } [ القصص : 63 ] بل يعبدون ذواتهم ، ويعبدون شهواتهم ورغباتهم ، وما أسهل أن يعبد الإنسان آلهة لا تلزمه بشيء ، فيسير في حياته على هواه ، وهذه هي التي روجَتْ لعبادة هذه الآلهة .
لذلك فإن الحق سبحانه يريد أنْ يلزم الإنسان حجة أن نفسه هي الوسيلة الأولى لشهواته ، وإلا فلو أن المسألة كلها وسوسة شيطان ، فمَن أغوى إبليس بالعصيان أولاً على حَدِّ قَوْل الشاعر :
إبليسُ لما عَصى مَنْ كان وسْوَسَهُ ؟ . . .
تفسير الشعراوي — صفحة 10986
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٩٨٦