وهذه المسألة تعطينا السيال النفسي لكل منحرف حين يرى ملتزماً مستقيماً ، لا يشاركه فساده وانحرافه ، فيعزّ عليه أنْ يكون في الهاوية وحده ، ولماذا يمتاز عنه الآخرون ؟ واقرأ قوله تعالى : { وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً . . . } [ النساء : 89 ] .
ألا ترى أهل الباطل والفساد والفجور يهزءُون من أهل الحق ويسخرون منهم ، ليُزهدوهم في الخير والصلاح ، وليغروهم بما هم فيه ، حتى أصبح الإنسان الملتزم بدينه وشرع ربه لا يسلَم من ألسنتهم ، كما يقول تعالى : { إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } [ المطففين : 29 - 30 ] .
وليت الأمر ينتهي عند الغَمْز واللمز ، إنما يتمادى هؤلاء ، فيجعلون من سخريتهم بأهل الإيمان والطاعة مادةً للمسامرة والتسلية { وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ } [ المطففين : 31 ] يعني : فرحين مسرورين بما نالوه من أهل الطاعة ، مما يدلّ على أنهم جميعاً تُسعِدهم هذه المسألة وتُرضي شيئاً في نفوسهم المريضة الحاقدة .
لكن المؤمن من طبيعته يحب أنْ يُكرم ، وأنْ ينأى بنفسه عن مجاراة هؤلاء ، لذلك يتولَّى ربه - عَزَّ وَجَلَّ - الدفاع عنه يقول له : لا تحزن فسوف نقتصُّ لك ، ونسخر منهم ، ونجعلهم أضحوكة في يوم بَاقٍ لا ينتهي فيه عذابهم : { فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }
[ المطففين : 34 - 36 ] .
وكأن الحق - تبارك وتعالى - يسترضي عباده المؤمنين : أيعجبكم
تفسير الشعراوي — صفحة 10983
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٩٨٣