تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11527

مساهمون:

ص١١٥٢٧
شيء ، فتقول له : أنت أعمى ؟ لماذا ، لأنه وإنْ كان صحيح العينين ، إلا أنه لم يستعملها في مهمتهما ، فهو والأعمى سواء . وهؤلاء القوم وصفهم الله بأنهم أولاً في حكم الأموات ، ثم هم مصابون بالصمم ، فلا يسمعون البلاغ ، وتكتمل الصورة بأنهم عُمْى لا يروْنَ آيات الإعجاز في الكون ، وليتهم صُمٌّ فحسب ، فالأصم يمكن أن تتفاهم معه بالإشارة فينتفع بعينيه إنْ كان مقبلاً عليك ، لكن ما الحال إذا كان مدبراً ، كما قال تعالى : { إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } [ الروم : 52 ] يعني : أعطوْكَ ظهورهم ، إذن : لم يَعُدْ لهم منفذ للتلقي ولا للإدراك ، فهم صُم بُكْم ، وبالإدبار تعطلت أيضاً حاسة البصر ، فلا أملَ في مثل هؤلاء ، ولا سبيل إلى هدايتهم . والدلالة على الطريق والهداية إليه لا تتأتَّى مع العمى ، خصوصاً إذا أصرَّ الأعمى على عماه ، ونقول لمن يكابر في العمى ( فلان لا يعطي العمى حَقّه ) يعني : يأنف أنْ يستعين بالمبصر ، ولو استعان بالناس من حوله لوجدهم خدماً له ولصار هو مُبصراً ببصرهم . وقوله سبحانه : { إِن تُسْمِعُ . . . } [ الروم : 53 ] أي : ما تُسمِع { إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُّسْلِمُونَ } [ الروم : 53 ] وهؤلاء هم أصفياء القلوب والفطرة ، الذين يلتفتون إلى كون الله ، يتأملون أسراره وما فيه من وجوه الإعجاز والقدرة ، فيستدلون بالخَلْق على الخالق ، وبالكون على المكوِّن سبحانه ، ولِمَ لا ، ونحن نعرف مَنِ اخترع أبسط الأشياء في
تفسير الشعراوي — صفحة 11527 | محمد متولي الشعراوي