القوم الحسرات ، فهم موتى لم يقبلوا روح المنهج وروح القيم ، وما داموا لم تدخلهم هذه الروح ، فلا أملَ في إصلاحهم ، ولن يستجيبوا لك ، فالاستجابة تأتي من أصغى سمعه ، وأعمل عقله في الكون من حوله ليصل إلى حقيقة الحياة ولغز الوجود .
وسبق أنْ قُلْنا : إنك إذا سقطتْ بك طائرة مثلاً في صحراء ، وانقطعت عن الناس ، فلا أنيس ولا شيء من حولك ، ثم فجأة رأيتَ أمامك مائدة عليها أطايب الطعام والشراب ، فطبيعي قبل أنْ تمتد يدك إليها لا بُدَّ أنْ تسأل نفسك : مَنْ أتى بها ؟
كذلك أنت أيها الإنسان طرأتَ على كون مُعَدٍّ لاستقبالك ، مليء بكل هذا الخير ، بالله ألاَ يستدعي هذا أنْ تسأل مَنْ أعد لي هذا الكون ؟
ثم لم يدَّع أحد هذا الكون لنفسه ، ثم جاءك رسول من عند الله يخبرك بحقائق الكون ، ويحل لك لغز الحياة والوجود ، لكن هؤلاء القوم لما جاءهم رسول الله أبَوْا أن يستمعوا إليه ، ولم يقبلوا الروح الذي جاءهم به .
والحق سبحانه يعرض لنا هذه المسألة في آية أخرى : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً . . . } [ محمد : 16 ] وهذا يعني أن روح المنهج لم تباشر قلوبهم .
ويردُّ الحق عليهم : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } [ فصلت : 44 ] .
فالقرآن واحد ، لكن المستقبل للقرآن مختلف ، فواحد يسمعه بأذن
تفسير الشعراوي — صفحة 11523
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٥٢٣