ثم يقول الحق سبحانه : { فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى . . . } .
يريد الحق سبحانه أن يُسلِّي رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى لا يألم لما يلاقيه من قومه ، يقول له : يا محمد لا تُتعب نفسك ؛ لأن هؤلاء لا يؤمنوا ، وما عليك إلا البلاغ ، فلا تيأس لإعراض هؤلاء ، ولا تتراجع عن تبليغ دعوتك والجهاد في سبيلها والجهر بها ؛ لأنني أرسلتك لمهمة ، ولن أتخلى عنك ، وما كان الله ليرسل رسولاً ثم يخذله أو يُسْلمه .
وقد قال تعالى لنبيه : { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً } [ الكهف : 6 ] ولو أردتُ لجعلتُهم مؤمنين قَسراً لا يملكون أنْ يكفروا : { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السماء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [ الشعراء : 4 ] .
إنما أريد أنْ يأتوني طواعية عن محبة ، لا عن قهر ؛ لأنني لا أريد قوالبَ تخضع ، إنما قلوباً تخشع ، ويستطيع أيُّ بشر بجبروته أنْ يجعلَ الناس تخضع له أو تسجد ، لكنه لا يستطيع مهما أُوتِي من قوة أنْ تُخْضِع قلوبهم ، أو يحملهم على حُبِّه .
وهنا يقول تعالى لنبيه : { فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى . . . } [ الروم : 52 ] فجعلهم في حكم الأموات ، وهم أحياء يُرْزَقون ، لماذا ؟ لأن الذي لا ينفعل لما يسمع ولا يتأثر به ، هو والميت سواء .
أو نقول : إن للإنسان حياتين : حياة الروح التي يستوي فيها المؤمن والكافر ، والطائع والعاصي ، وحياة المنهج والقيم ، وهذه
تفسير الشعراوي — صفحة 11521
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٥٢١