ولا يخلو هذا التقسيم من الهوى والعصبيات القبلية والجنسية والقومية والدينية ، لكن لو أخذنا بقول ربنا : { والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ } [ الرحمن : 10 ] لما عانينا كل هذه المعاناة .
وقوله تعالى : { كَسَبَتْ . . . } [ الروم : 41 ] عندنا : كسب واكتسب ، الغالب أن تكون كسب للحسنة ، واكتسب للسيئة ؛ لأن الحسنة تأتي من المؤمن طبيعة بدون تكلُّف أو افتعال ، فدلَّ عليها بالفعل المجرد ( كسب ) .
أما السيئة ، فعلى خلاف الطبيعة ، فتحتاج منك إلى تكلُّف وافتعال ، فدلَّ عليها بالفعل المزيد الدال على الافتعال ( اكتسب ) .
أَلاَ ترى أنك في بيتك تنظر إلى زوجتك وبناتك كما تشاء ، أما الأجنبية فإنك تختلس النظرات إليها وتحتال لذلك ؟ فكل حركاتك مفتعلة ، لماذا ؟ لأنك تفعل شيئاً محرماً وممنوعاً ، أما الخير فتصنعه تلقائياً وطبيعياً بلا تكلُّف .
كما أن الحسنة لا تحتاج منك إلى مجهود ، أمّا السيئة فتحتاج إلى أنْ تٌجنَّد لها كل قواك ، وأن تحتاط ، كالذي يسرق مثلاً ، فيحتاج إلى مجهود ، وإلى محاربة لجوارحه ؛ لأنها على الحقيقة تأبى ما يفعل .
ومع ذلك نلحظ قوله تعالى : { بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولئك أَصْحَابُ النار . . . } [ البقرة : 81 ] .
فجعل السيئة كَسْباً لا اكتساباً . قالوا : لأن السيئة هنا صارت عادة عنده ، وسهلت عليه حتى صارت أمراً طبيعياً يفعله ولا يبالي كالذي يفعل الحسنة ، وهذا النوع والعياذ بالله أحب السيئة وعشقها ، حتى أصبح يتباهى بها ولا يسترها ويتبجح بفعلها .
تفسير الشعراوي — صفحة 11477
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٧٧