وهذا نسميه ( فاقد ) ، فقد أصبح الشر والفساد حرفة له ، فلا يتأثر به ، ولا يخجل منه كالذي يقبل الرِّشْوة ، ويفرح لاستقبالها ، فإن سألته قال لك : وماذا فيها ؟ أنا لا أسرق الناس .
وقوله تعالى : { لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ . . . } [ الروم : 41 ] الإذاقة هنا عقوبة ، لكنها عقوبة الإصلاح كما تعاقب ولدك وتضر به حرصاً عليه ، وسبق أن قلنا : إنه لا ينبغي أن نفصل الحدث عن فاعله ، فقد يعتدي ولد على ولدك ، فيجرحه فتذهب به للطبيب ، فيجرحه جرحاً أبلغ ، لكن هذا جرح المعتدي ، وهذا جرح المداوي .
وحين يُذيق الله الإنسانَ بعض ما قدَّمت يداه يوقظه من غفلته ، ويُنبِّه فيه الفطرة الإيمانية ، فيحتاط للأمر ولا يهمل ولا يقصر ، وتظل عنده هذه اليقظة الإيمانية بمقدار وَعْيه الإيماني ، فواحد يظلّ يقظاً شهراً ، ثم يعود إلى ما كان عليه ، وآخر يظل سنة ، وآخر يظل عمره كله لا تنتابه غفلة .
وقد أذاق اللهُ أهلَ مكة عاقبة كفرهم حتى جاعوا ولم يجدوا ما يأكلونه إلا دَمَ الإبل المخلوط بوبرها ، وهو العِلْهِز .
وقوله : { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ الروم : 41 ] لأن الكلام هنا في الدنيا ، وهي ليستْ دار جزاء ، فالحق يُذيقهم بعض أعمالهم ليلتفتوا إليه سبحانه ، ويتوبوا ويعودوا إلى حظيرة الإيمان ؛ لأنهم عبيدة ، وهو سبحانه أرحم بهم من الوالدة بولدها .
والحق سبحانه ساعة يقول { ظَهَرَ الفساد . . . } [ الروم : 41 ] أي : على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليُبيِّن لنا أن الرسل إنما جاءوا لإنقاذ البشرية من هذا الفساد ، لكن ما دام الأمر عُلِّل فالأمر يدور مع العلة وجوداً وعدماً ، فكلما ظهر الفساد حلَّتْ العقوبة ، فخذوها في الكون آية من
تفسير الشعراوي — صفحة 11478
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٧٨