لذلك دعا عليهم رسول الله : « اللهم اشْدُد وطأتك على مُضَر ، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف » فأصابهم الجَدْب والقحط ، حتى رُوِي أنهم كانوا يذهبون للبحر لصيد السمك ، فيبتعد عنهم ولا يستقيم لهم فيعودون كما أتوا .
وهذا معنى { ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر . . . } [ الروم : 41 ] .
ثم يوضح الحق سبحانه سبب هذا الفساد : { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس . . . } [ الروم : 41 ] فتلحظ هنا أن الحق سبانه لما يذكرالرحمة لا يذكر عِلَّتها ، لكن يذكر عِلَّة الفساد ؛ لأن الرحمة من الله سبحانه أولاً وأخيراً تفضُّل ، أما الأخذ والعذاب فبَعدله تعالى ؛ لذلك يُبِّين لك أنك فعلت كذا ، وتستحق كذا ، فالعلَّة واضحة .
هناك قضية أخرى أحب أن أوضحها لكم ، وهي أن الحق سبحانه يعامل خَلْقه معاملته في الجزاء ، فالله يقول : { مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا . . . } [ الأنعام : 160 ] .
إذن : فالحسنة الواحدة تستر عشر سيئات ، وكذلك في جسم الإنسان ، فيقول بعض علماء وظائف الأعضاء والتشريح : إن الكلية بها مليون خلية يعمل منها العُشْر بالتبادل ، فمجموعة تعمل ، والباقي يرتاح وهكذا . فانظر كم ترتاح الخلية حتى يأتي عليها الدور في العمل .
فكأن ربنا - سبحانه وتعالى - خلق لها العشر يقوم مقام المليون ؛ لذلك قالوا لو أن في أحد الدواوين عشرة موظفين ، منهم
تفسير الشعراوي — صفحة 11474
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٧٤