تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11473

مساهمون:

ص١١٤٧٣
وعندها يُنبِّهنا الحق سبحانه بالأحداث تطرقنا وتقول لنا : انظروا إلى مَنْ خالف منهج الله ماذا حدث له ؛ لذلك في أعقاب الأحداث نزداد عشقاً لله ، وحباً لطاعته ، وترى الناس ( تمشي على العجين متلخبطه ) ، لكن سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه من الإهمال والغفلة ، على حَدِّ قول الشاعر : تُروِّعنا الجناَئِزُ مُقْبِلاتٍ . . . ونلهُو حِين تَذهَبُ مُدبراتِ كَروْعَةِ ثُلَّةٍ لمغَارِ ذِئْبٍ . . . فَلما غابَ عادتْ راتعاتِ فالحق يقول : { ظَهَرَ الفساد . . . } [ الروم : 41 ] أي : غلب على قانون الصلاح الذي أقام الله عليه نظام هذا الكون ، الذي لو نالتْه يد الإنسان لَفسد هو الآخر ، كما قال سبحانه : { وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض . . . . } [ المؤمنون : 71 ] . فظواهر الكون أشياء وقضايا لكل العامة ، ومن الحكمة إلاّ تنالها يد الإنسان ؛ لأن الله تعالى يريد للكون البقاء ، ولم يأْتِ أوان انتهائه ، لذلك الحق سبحانه يجعل فينا مناعة تجعلنا نقبل الفساد إلى حين ، إلى أن يصل إلى درجة التشبُّع ، فتتفجر الأوضاع . فقوله : { ظَهَرَ الفساد فِي البر . . . } [ الروم : 41 ] نتيجة لدعوته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ؛ لأن كلمة ( ظهر ) تدل على أن شيئاً وقع ، فكأنه يقول لنا : إنْ كررتم الفساد والغفلة تكرَّر ظهور الفساد ، فهو يعطينا مُلخصاً لما حدث بالفعل من عداوتهم لرسول الله ، ومقاطعته وعزله وإغراء السفهاء منهم للتحرش به ، ثم عداوة أصحابه وإجبارهم على الهجرة إلى الحبشة حتى لا يستقر لهم قرار بمكة .