أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ خَسِرَ الدنيا والآخرة ذلك هُوَ الخسران المبين } [ الحج : 11 ] .
وكالتاجر الذي يلتزم الصدق في تجارته ، لا حباً في الصدق ذاته ، إنما طمعاً في الشهرة والصِّيت وكَسْب المزيد من الزبائن ، ومثل هؤلاء ينالون من الدنيا على قَدْر سعيهم لها ، ولا يحرمهم اللهُ ثمرةَ مجهوداتهم ، كما قال سبحانه : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ } [ الشورى : 20 ] .
فما أشبه الناس في نياتهم من الأعمال بركْب يقصدون وجهة واحدة ، لكن لكل منهم غاية يسعى إليها ، فهذا يسعى للطعام أو أكلة شهية ، وهذا يسعى لامرأة جميلة ، وهذا يسعى لدرْس علم ينتفع به ، وآخر يسعى لرؤية مَنْ يحب ، وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله :
قَصَدْتُ بالركْبِ مَنْ أَهْوى وقُلْتُ لَهُم . . . هَيّا كُلوا وخُذُوا ما حَظكم فِيهِ
لكِنْ دَعُوني أُلاَقِي مَنْ أؤملُهُ . . . عَيْني تَرَاهُ وَوُجَْدَاني يُنَاجِيهِ
كذلك الحق - تبارك وتعالى - يريد من عبده أنْ يقصده لذَاته ، لا خوفاً من ناره ، ولا طمعاً في جنته ، وفَرْق بين أن تنعم بنعمة الله ، وأن تنعم بالنظر إلى الله ، فأنت في الجنة تأكل ، لا عن جوع ولا عن حاجة ، إنما لمجرد التنعُّم .
لذلك يقول سبحانه عن الشهداء : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران : 169 ] فتكفيهم هذه العندية ، وأنْ ينظروا إلى الله سبحانه وتعالى .
تفسير الشعراوي — صفحة 11424
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٢٤