واستشرتْ فيها ، فلا بُدَّ أن تكون له مناعة ، ليست من ذاته ، بل من المجتمع المحيط به ، على المجتمع أن يمنعه ، وأن يضرب على يديه .
والمناعة في المجتمع لا تعني أن يكون مجتمعاً مثالياً لا يعرف المعصية ، بل تحدث منه المعاصي ، لكنها مُفرّقة على أهواء الناس ، فهذا يميل إلى السرقة ، وهذا يميل إلى النظر إلى المحرمات ، وهذا يحب كذا . . إلخ .
إذن : ففي الناس مواطن القوة ، ومواطن ضعف ، وعلى القوي في شيء أن يمنع الضعيف فيه ، وأنْ يزجره ويُقومِّه ؛ لذلك يقول تعالى : { والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر } [ العصر : 1 - 3 ] .
فإذا عَمَّ الفساد وطَمَّ كما قال تعالى عن اليهود : { كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ . . . } [ المائدة : 79 ] وفقد المجتمع أيضاً مناعته . فلا بُدَّ أنْ تتدخل السماء برسول جديد ومعجزة جديدة ، لينقذ هؤلاء .
ثم يقول تعالى : { فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا . . . } [ الروم : 30 ] فنحن نرى البشر يتخذون الطعوم والأمصال للتحصين من الأمراض ، كذلك الحق سبحانه - وله المثل الأعلى - جعل هذا المصل التطعيمي في كل نفس بشرية ، حتى في التكوين المادي .
ألا ترى قوله تعالى في تكوين الإنسان : { يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ . . . } [ الحج : 5 ] .
فالمخلَّقة هي التي تكوّن الأعضاء ، وغير المُخلَّقة هي الرصيد
تفسير الشعراوي — صفحة 11416
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤١٦