لأمته ، بدليل أنه سبحانه سيقول في الآية بعدها : { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ . . . } [ الروم : 31 ] ولو كان الأمر له وحده لَقالَ منيباً إليه ، ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى : { يا أيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ . . . } [ الطلاق : 1 ] .
فالخطاب للأمة كلها في شخص رسول الله ؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هو المبلِّغ ، والمبلِّغ هو الذي يتلقى الأمر ، ويقتنع به أولاً ليستطيع أنْ يُبلِّغه ؛ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى : { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . . . }
[ الأحزاب : 21 ] .
وقال { حَنِيفاً . . . } [ الروم : 30 ] لأن الرسل لا تأتي إلا على فساد شمل الناس جميعاً ؛ لأن الحق سبحانه كما خلق في الجسم مناعة مادية خلق فيه مناعة قيمية ، فالإنسان تُحدِّثه نفسه بشهوة وتغلبه عليها ، فيقع فيها ، لكن ساعة ينتهي منها يندم عليها ويُؤنِّبه ضميره ، فيبكي على ما كان منه ، وربما يكره من أعانه على المعصية .
وهذه هي النفس اللوامة ، وهي علامة وجود الخير في الإنسان ، وهذه هي المناعة الذاتية التي تصدر من الذات .
وفَرْق بين مَنْ تنزل عليه المعصية وتعترض طريقه ، ومَنْ يُرتِّب لها ويسعى إليها ، وهذا بيِّن في قوله تعالى : { إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ . . . } [ النساء : 17 ] .
فَرْق بين مَنْ يذهب إلى باريس لطلب العلم ، فتعترض طريقه إحدى الفتيات ، ومَنْ يذهب إلى باريس لأنه سمع عما فيها من إغراء ، فهذا وقع في المعصية رغماً عنه ، ودون ترتيب لها ، وهذا قصدها وسعى إليها ، الأول غالباً ما يُؤنِّب نفسه وتتحرك بداخله النفس اللوامة والمناعة الذاتية ، أما الآخر فقد ألِفَتْ نفسه المعصية
تفسير الشعراوي — صفحة 11415
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤١٥