ومن الأمثلة التي ضربها الله لنا ليوضح لنا قضية التوحيد قوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 29 ]
فالذي يتخذ مع الله إلهاً آخر كالذي يخدم سيدين وليتهما متفقان ، إنما متشاكسان مختلفا ، فإنْ أرضى أحدهما أسخط الآخر ، فهو متعب بينهما ، فهل يستوي هذا العبد وعبد آخر يخدم سيداً واحداً ؟ كذلك في عبادة الله وحده لا شريك له .
فبالمثال اتضحت القضية ، ورسختْ في الأذها ؛ لذلك يقول سبحانه : أنا لا أستحي أنْ أضرب الأمثال ؛ لأنني أريد أن أوضح لعبادي الحقائق ، وأُبيِّن لهم المعاني .
{ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ . . . } [ الروم : 28 ] .
في هذه الآية وبهذا المثَل يؤكد الحق - سبحانه وتعالى - في قمة تربية العقيدة الإيمانية ، يؤكد على واحدية الله وعلى أحديته ، فالواحدية شيء والأحدية شيء آخر : الواحدية أنه سبحانه واحد لا فرد آخر معه ، لكن هذا الفرد الواحد قد يكون في ذاته مُركّباً من أجزاء ، فوصف نفسه سبحانه بأنه أحدٌ أي : ليس مُركَّباً من أجزاء . أكَّد الله هذه الحقيقة في قرآنه بالحجج وبالبراهين ، وضرب لها المثل . وهنا يضرب لنا مثلاً من أنفسنا ليؤكد على هذه الوحدانية .
وقوله تعالى : { مِّنْ أَنفُسِكُمْ . . . } [ الروم : 28 ] يعني : ليس بعيداً عنكم ، وأقرب شيء للإنسان نفسه ، إذن : فأوضح مثَل لما غاب عنك أنْ يكون من نفسك ، ومن ذلك قوله تعالى : { لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ . . . } [ التوبة : 128 ] أي : من جنسكم تعرفون نشأته ، وتعرفون خُلُقه وسيرته .
تفسير الشعراوي — صفحة 11397
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٩٧