وقد رأى ما كان منه : قبل الرِّماء تُملأ الكنائن ، فصارت مثلاً وإن قيل في مناسبة بعينها إلا أنه يُضرَب في كل مناسبة مشابهة ، ويقال في أيِّ موضع كما هو وبنفس ألفاظه دون أن نُغيِّر فيه شيئاً .
فمثلاً ، حين ترى التلميذ المهمل يذاكر قبيل الامتحان ، وحين ترى مَنْ يُقدِم على أمر دون أنْ يُعدّ له عُدَّته لك أنْ تقول : قبل الرِّماء تُملأ الكنائن . إذن : هذه العبارة صار لها مدلولها الواضح ، وترسَّخَتْ في الذِّهْن حتى صارتْ مثَلاً يُضرب .
وتقول لمن تسلَّط عليك وادَّعى أنه أقْوى منك : إنْ كنتَ ريحاً فقد لاقيتَ إعصاراً .
والحق سبحانه يضرب لنا المثل للتوضيح ولتقريب المعاني للأفهام ؛ لذلك يقول سبحانه : { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا . . . } [ البقرة : 26 ] يقف هنا بعض المتمحكين الذين يحبون أنْ يستدركوا على كلام الله ، يقولون : ما دام الله تعالى لا يستحي أنْ يضرب مثلاً بالبعوضة فما فوقها من باب أَوْلى ، فلماذا يقول { فَمَا فَوْقَهَا . . . } [ البقرة : 26 ] .
وهذا يدل على عدم فهمهم للمعنى المراد لله عَزَّ وَجَلَّ ، فالمعنى : فما فوقها أي : في الغرابة وفي القلة والصِّغر ، لا ما فوقها في الكِبَر .
تفسير الشعراوي — صفحة 11396
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٩٦