تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11400

مساهمون:

ص١١٤٠٠
هذه الحالة أنْ يسأل الناس ، وما رأينا أحداً مات جوعاً . لكن ينبغي على الفقير إنْ ألجأتْه الحاجة للسؤال أنْ يسأل بتلطُّف ولين ، فإنْ كان جائعاً لا يسأل الناس مالاً إنما لقمة عيش وقطعة جبن أو ما تيسَّر من الطعام ليسُدّ جَوْعته ، وسائل الطعام لا يكذبه أحد لأنه لا سأل إلا عن جوع ، حتى لو سألك وهو شبعان فأعطيتَه ما استطاع أنْ يأكل ، أما سائل المال فقد نظن فيه الطمع وقصد الادخار . إذن : أفضح سؤال سؤال القوت . لذلك في قصة الخضر وموسى عليهما السلام : { فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا . . } [ الكهف : 77 ] فلما منعوهم حتى لقمة العيش استحقُّوا أنْ يوصفوا بألأَم الناسِ ، وقد أباح الشرع للجائع أن يسأل الطعام من اللئيم فإن منعه فللجائع أن يأخذه ولو بالقوة ، وإذا رفع أمره إلى القاضي أيَّده القاضي ، لذلك يقولون فيه : طالب قُوتٍ ما تعدَّى . والحق سبحانه تكفَّل لك برزقك ، إنما جعل للرزق أسباباً وكل ما عليك أنْ تأخذ بهذه الأسباب ثم لا تشغل بالك هماً في موضوعه ، وإيالك أن تظن أن السَّعْي هو مصدر الرزق ، فالسعي سبب ، والرزق من الله ، وما عليك إلا أنْ تتحرى الأسباب ، فإنْ أبطأ رزقك فأرحْ نفسك ؛ لأنك لا تعرف عنوانه ، أمّا هو فيعرف عنوانك وسوف يَأتيك يطرق عليك الباب . والذي يُتعب الناس أنْ يظل الواحد منهم مهموماً لأمر الرزق مُفكِّراً فيه ، ولو علم أن الذي خلقه واستدعاه للوجود قد تكفَّل برزقه لاستراح ، فإنْ أخطأت أسباب الرزق في ناحية اطمئن فسوف يأتيك من ناحية أخرى .