تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11399

مساهمون:

ص١١٣٩٩
وأنت لا تعدل عن الخبر إلى الاستفهام عنه إلا وأنت تعلم وتثق بأن الإجابة ستكون في صالحك ، فمثلاً حين ينكر شخصٌ جميلَك فتقول مُخبراً : فعلتُ معك كذا وكذا ، والخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب ، وقد ينكر فيقول : لا لم تفعل معي شيئاً . أما حين تقول مستفهماً : ألم أفعل فعل كذا وكذا ؟ فإنك تُلجئه إلى واقع لا يملك إنكاره ، ولا يستطيع أنْ يفرّ منه ، ولا يملك إلا أنْ يعترف لك بجميلك ولا أقلَّ من أنْ يسكت ، والسكوت يعني أن الواقع كما قلت . لذلك يستفهم الحق سبحانه وهو أعلم بخَلْقه { هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ . . . } [ الروم : 28 ] لا بدّ أنْ يقولوا : لا ليس لنا شركاء في أموالنا ، إذن : لماذا جعلتم لله شركاء ؟ وقوله تعالى : { فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ . . . } [ الروم : 28 ] سبق أنْ تحدثنا في مسألة الرزق وقلنا : إن الله تعالى هو الرازق ، ومع ذلك احترم ملكية خَلْقه ، واحترم سعيهم : لأنه سبحانه واهب هذا الملك ، ولا يعود سبحانه في هبته لخَلْقه ؛ لذلك لما أراد أنْ يُحنن قلوب خَلْقه على خَلْقه قال : { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً . . . } [ البقرة : 245 ] فاعتبر صدقتك على أخيك الفقير قرضاً يردّه إليك مُضَاعفاً . والرزق لا يقتصر على المال - كما يظن البعض - إنما رزقك كلّ ما انتفعتَ به فهو رزق ينبغي عليك أن تفيض منه على مَنْ يحتاجه ، وأن تُعدِّيه إلى مَنْ يفتقده ، فالقويُّ رزقه القوة يُعدِّيها للضعيف ، والعالم رزقه العلم يُعدِّيه للجاهل ، والحليم رزقه حلْم يُعدِّيه للغضوب وهكذا ، وإلا فالمال أهون ألوان الرزق ؛ لأن الفقير الذي لا يملك مالاً ولم يتصدق أحد عليه قصارى ما يحدث له أن يجوع ويُباح له في