إذن : فالمعاني العالية لا يمكن أنْ تُدرك لأنها أرفع من الإدراك ؛ لأن بها يكون الإدراك ، أيكون المخلوق للحق أسمى من أنْ يُدرك ، ويكون الحق سبحانه موضعاً للإدراك .
فإذا سمعت ( هُوَ ) فاعلم أنها لا تنصرف إلا إلى الإله الواحد الذي من عظمته أنه لا يُدرَك { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار . . . } [ الأنعام : 103 ] .
لذلك نقرأ في سورة الإخلاص { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] فترى أن ( الله ) لفظ الجلالة ، وهو عَلَم على واجب الوجود يأتي بعد ( هُوَ ) فكأن ( هُوَ ) أدلُّ على وجود الحق سبحانه من لفظ الجلالة ( الله ) ، فكأنه لا يصح حين يُطلَق ضمير الغيبة ( هُوَ ) على شيء إلا الله ؛ لأنه لا شيء في الكون إلا الله .
وقوله تعالى هنا { وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق . . . } [ الروم : 27 ] بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرارية ، مع أنه سبحانه بدأ الخَلْق بالفعل { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } [ الأعراف : 29 ] فإنْ ذكرت الأولى فقد بدأ الخَلْق ، وإن ذكرت الاستمرارية في الإيجاد فهو يبدأ دائماً ، وفي كل وقت ترى في خَلْق الله شيئاً جديداً ، فالخَلْق لم يأتِ مرة واحدة ، ثم توقف ، بل بدأ ثم استمر .
ونلحظ أن القرآن يذكر هذه المسألة مرة بالماضي ( بَدَأ ) ومرة بالمضارع ( يَبْدأ ) ؛ لأن الخالق سبحانه بدأ الخلق فعلاً بخَلْق آدم عليه السلام الإنسان الأول : { الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ } [ السجدة : 7 ] ولا يزال سبحانه بقيوميته خالقاً ، يبدأ كل يوم وكل لحظة خَلْقاً جديداً نشاهده في الإنسان ، وفي الحيوان ، وفي النبات . . الخ .
تفسير الشعراوي — صفحة 11387
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٨٧