منه وأعانهم عليه ؛ لأنه سبحانه لا تنفعه طاعة الطائعين ، ولا تضره معصية العاصين ، فختم على قلوبهم فلا يدخلها إيمان ، ولا يخرج منها كفر ، وهو سبحانه الغني عن خَلْقه ؛ لذلك لما خلق الجنة خلقها لتتسع للناس جميعاً إنْ آمنوا ، ولما خلق النار خلقها لتتسع للناس جميعاً إنْ كفروا ، وترك لنا سبحانه الاختيار :
{ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف : 29 ] .
وكأن الحق سبحانه يقول لنا : أنتم أحرار ، فأنا مستعد للجزاء على أيِّ حال تسعكم جنتي ، إنْ آمنتم جميعاً ، ولا تضيق بكم النار إنْ كفرتم جميعاً .
ونقول لمن تمرَّد على الله : ينبغي أن تكون منطقياً مع نفسك ، وأن تظل متمرداً على الله في كل شيء ما دمت قد ألفتَ التمرد ، فإنْ جاءك المرض تتأبى عليه ، وإنْ جاءك الموت ترفضه ، فإذا لم تستطع فأنت مقهور لله خاضع له { كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } [ الروم : 26 ] خاضعون ، إما عن اختيار ، وإما عن قهر في كل أمر لا اختيار لك فيه ، إذن : فأنت قانت رغماً عنك ، وقنوتك مع تمرُّدك أبلغ في الشهادة لله .
إذن : فالمؤمن خاضع لله في منطقة الاختيار ، وهي الإيمان والتكاليف ، وخاضع لله فيما لا اختيار له فيه كالقضاء والأمور الاضطرارية ، فهو يستقبلها عن رضا ، أما الكافر فهو خاضع لله لا يستطيع الفكاك عن قضائه ولا عن قدره رغماً عنه في الأمور التي لا اختيارَ له فيها ، لكنه يستقبلها بالسُّخْط وعدم الرضا ، فهو كافر بالله كاره لقضائه .
فنقول لمن تمرد على الله فكفر به ، أو تمرَّد على أحكامه فعصاها : ما لكم لا تتمردون على الله فيما يقضيه عليكم من أمور
تفسير الشعراوي — صفحة 11385
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٨٥