تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11384

مساهمون:

ص١١٣٨٤
ونقف هنا عند قوله تعالى { مَن فِي السماوات والأرض . . . } [ الروم : 26 ] فمن في السماوات نعم هم قانتون لله أي : خاضعون له سبحانه ، مطيعون لإرادته لأنهم ملائكة مُكرَّمون { لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] . { يُسَبِّحُونَ اليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء : 20 ] . فما بال أهل الأرض ، وفيهم ملاحدة وكفار ليسوا قانتين ، فكيف إذن نفهم { كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } [ الروم : 26 ] . قالوا : لأنهم لما تمرَّدوا على الله وكفروا به ، أو تمرَّدوا على حكمه فعصَوْه لم يتمردوا بذواتهم ، إنما بما خلق الله فيهم من اختيار ، ولو أرادهم سبحانه مقهورين ما شذَّ واحد منهم عن مراد ربه ، والله عَزَّ وَجَلَّ لا يريد أنْ يحكم الإنسان بقهر القدرة ، إنما يريد لعبده أنْ يأتيه طواعية مختاراً ، فإمكانه أن يكفر ومع ذلك آمن ، وبإمكانه أن يعصي ومع ذلك أطاع . فلو أرادهم الله مؤمنين ما وجدوا إلى الكفر سبيلاً ، ولعصمهم كما عصم الأنبياء ، ربك يريدك مؤمناً عن محبة وإخلاص لا عن قهر وغلبة ؛ لذلك قال إبليس في جداله : { فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ ص : 82 - 83 ] . فلا قدرة له على عباد الله المخلصين ، الذين اختارهم الله لنفسه ، ولا سلطانَ له عليهم ، فإبليس إذن ليس في معركة مع ربه ، إنما في معركة مع الإنسان . وفي موضع آخر قال تعالى : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ . . . } [ الحجر : 42 ] . ولما عشق هؤلاء المتمرِّدون على الله التمرد ، وأحبوه زادهم الله