تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11390

مساهمون:

ص١١٣٩٠
القادر على أنْ يسلبها هذه الخاصية ، فيلقى فيها نبيه إبراهيم دون أن يحترق . وهنا تكِمن العظمة وتظهر الحجة { قُلْنَا يا نار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ } [ الأنبياء : 69 ] . ونلحظ فصاحة الأداء في { وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق . . . } [ الروم : 27 ] فهو أسلوب قَصْر ، حيث قدّم المتعلق الذي حقُّه أن يكون مؤخراً ، كما في { إِيَّاكَ نَعْبُدُ . . . } [ الفاتحة : 5 ] فقدّم المفعول ، ومن حق المفعول أن يُؤخّر عن الفعل والفاعل ، وقدَّمه هنا ، لنقصر العبادة على الله وحده دون سواه ، وحتى لا نعطف على الله تعالى شيئاً ، فلو قلت نعبدك لجاز أن تقول : ونعبد غيرك ، كذلك هنا { وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق . . . } [ الروم : 27 ] أفادت تخصيص الخلق لله وحده دون أن نعطف عليه أحداً . وقوله تعالى { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . . } [ الروم : 27 ] الحقيقة ليس في الأمور بالنسبة لله تعالى هَيِّن وأهون ، إنما في عُرْفنا نحن ، وليُقرِّب لنا الحق سبحانه فَهْم المسائل ، وإلا فالحق سبحانه لا يعالج الأمور ولا يزاولها كما نعالجها نحن ، وإنما يفعل سبحانه بكُنْ فيكون . لذلك لما نتأمل قَوْل مريم عليها السلام لما بشَّرتها الملائكة بالمسيح قالت : { رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ . . . } [ آل عمران : 47 ] فكيف فهمتْ مريم هذه المسألة ، ومَنْ أخبرها بأن الولد سيكون دون أن يمسَّها بشر ؟ لقد فهمت مريم هذا من قول الملائكة { إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ . . . } [ آل عمران : 45 ] . فلو كان له أبٌ لذكرته الملائكة ، وما داموا قد نسبوه إلى أمه فلا أب له .