وتُمسك أيضاً في جو السماء بدون حركة الجناحين ، واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ . . . } [ الملك : 19 ] .
فترى الطير في السماء مادّاً جناحيه ثابتاً بدون حركة ، ومع ذلك لا يقع على الأرض ولا يُمسكه في جَوِّ السماء إذن إلا قدرة الله .
إذن : خُذْ مما تشاهد دليلاً على صدْق ما لا تشاهد ؛ لذلك يقول سبحانه : { لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس . . . } [ غافر : 57 ] مع أنها خُلِقت لخدمة الإنسان .
فمع أنك أيها الإنسان مظهر من مظاهر قدرة الله ، وفيك انطوى العالم الأكبر ، إلا أن عمرك محدود لا يُعَدُّ شيئاً إذا قِيسَ بعمر الأرض والسماء والشمس والقمر . . الخ .
ثم يعود السياق هنا إلى آية من آيات الله في الإنسان : { واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ . . . } [ الروم : 22 ] اللسان يُطلَق على اللغة كما قال تعالى { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } [ الشعراء : 195 ] وقال : { لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ } [ النحل : 103 ] .
ويًُطلَق أيضاً على هذه الجارحة المعروفة ، وإنما أُطِلق اللسان على اللغة ؛ لأن أغلبها يعتمد على اللسان وعلى النطق ، مع أن اللسان يُمثِّل جزءاً بسيطاً في عملية النطق ، حيث يشترك معه في النطق الفم والأسنان والشفتان والأحبال الصوتية . . إلخ ، لكن اللسان هو العمدة في هذه العملية . إذن : فاختلاف الألسنة يعني اختلاف اللغات .
وسبق أنْ قُلْنا : إن اللغة ظاهرة اجتماعية يكتسبها الإنسان من البيئة المحيطة به ، وحين نسلسلها لا بُدَّ أنْ نصلَ بها إلى أبينا آدم عليه السلام ، وقلنا : إن الله تعالى هو الذي علَّمه اللغة حين علَّمه
تفسير الشعراوي — صفحة 11364
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٦٤