وقوله تعالى : { لتسكنوا إِلَيْهَا . . . } [ الروم : 21 ] هذه هي العلة الأصيلة في الزواج ، أي : يسكن الزوجان أحدهما للآخر ، والسكن لا يكون إلا عن حركة ، كذلك فالرجل طوال يومه في حركة العمل والسعي على المعاش يكدح ويتعب ، فيريد آخر النهار أن يسكن إلى مَنْ يريحه ويواسيه ، فلا يجد غير زوجته عندها السَّكَن والحنان والعطف والرقة ، وفي هذا السكَن يرتاح ويستعيد نشاطه للعمل في غد .
لكن تصور إنْ عاد الرجل مُتْعباً فلم يجد هذا السكن ، بل وجد زوجته ومحلّ سكنه وراحته تزيده تعباً ، وتكدِّر عليه صَفْوه . إذن : ينبغي للمرأة أنْ تعلم معنى السَّكَن هنا ، وأن تؤدي مهمتها لتستقيم أمور الحياة .
ثم إن الأمر لا يقتصر على السَّكَن إنما { وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً . . . } [ الروم : 21 ] المودة هي الحب المتبادل في ( مشوار ) الحياة وشراكتها ، فهو يكدح ويُوفر لوازم العيش ، وهي تكدح لتدبر أمور البيت وتربية الأولاد ؛ لأن الله يقول { إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى } [ الليل : 4 ] هذا في إطار من الحب والحنان المتبادل .
أما الرحمة فتأتي في مؤخرة هذه الصفات : سكن ومودة ورحمة ، ذلك لأن البشر عامة أبناء أغيار ، وكثيراً ما تتغير أحوالهم ، فالقوي قد يصير إلى الضعف ، والغني قد يصير إلى فقر ، والمرأة الجميلة تُغيِّرها الأيام أو يهدّها المرض . . . إلخ .
لذلك يلفت القرآن أنظارنا إلى أن هذه المرحلة التي ربما فقدتم فيها السكن ، وفقدتُم المودة ، فإن الرحمة تسعكما ، فليرحم الزوج زوجته إنْ قَصُرت إمكاناتها للقيام بواجبها ، ولترحم الزوجة زوجها إنْ أقعده المرض أو أصابه الفقر . . إلخ .
تفسير الشعراوي — صفحة 11360
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٦٠